تقارير

الطلاق السلس.. أسباب ومآلات انفصال السبسي والنهضة

         أحدهما ضحية بورقيبة والآخر وريثه وشرطيه السابق، لكنهما فاجآ التونسيين في 2014 بمغادرة موقعي أقصى اليمين واليسار إلى منطقة وسط لتجنيب البلاد الانزلاق للفوضى، والتغلب على الأزمات التي أعقبت الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في 2011.
خلال السنوات الخمس الماضية، كانت لقاءات الرئيس الباجي قايد السبسي والشيخ راشد الغنوشي تنتهي بالتغلب على الخلافات العويصة، لتظل تونس بمنأى عن مصائر ليبيا ومصر واليمن.

بيد أن السبسي أعلن أمس الاثنين نهاية انسجام بدا للكثير غير طبيعي بين حركتي النهضة الإسلامية ونداء تونسالعلمانية، مما يثير التساؤلات عن جذور الأزمة ومآلاتها.

ففي حديث تلفزيوني قال السبسي “منذ الأسبوع الماضي قررنا الانقطاع بطلب من النهضة. هي تريد التوافق مع الحكومة التي يرأسها يوسف الشاهد.. العلاقات بين الباجي قايد السبسي والنهضة انقطعت”.

والشاهد هذا هو أساس الأزمة بين النهضة والنداء، فقد استقدمه السبسي من القطاع الخاص إلى عالم السياسة، وأصبح عضوا بنداء تونس، ثم كلفه بتشكيل الحكومة في 2016.

لكن الشاهد لم يعد مجرد شاب مغمور يدين باكتشافه للسبسي، إنما تحوّل إلى لاعب سياسي مهم، ودخل في صراع حاد مع حافظ السبسي نجل رئيس الدولة، مما أدى لنزيف استقالات في حركة نداء تونس وقلّص كتلتها البرلمانية من 86 نائبا إلى 41 فقط.

أراد “السبسيان” الابن والأب إقالة الشاهد من منصبه، لكن النهضة رفضت التخلي عنه بحجة الحفاظ على استمرار تنفيذ المشاريع التنموية واستقرار المشهد السياسي قبل الانتخابات المقررة في 2019.

وإلى جانب النهضة، يحظى يوسف الشاهد بمباركة الخارج حيث ينفذ سياسات خصخصة تحظى بإعجاب المؤسسات المانحة، وإن كانت تثير حنق الاتحاد التونسي العام للشغل.

أبعاد مختلفة

وكما حدث في مرات سابقة، حاول وريث بورقيبة وضحيته التغلب على أزمة الشاهد، لكنهما فشلا أخيرا في احتوائها إذ تتداخل فيها الأبعاد الشخصية والسياسية والاقتصادية.

ولئن كان انفصال العجوزين بات أمرا قائما، فإنه يبدو تسريحا بإحسان، يؤشر على رغبة الجانبين في تجنب أي احتقان سياسي قبل الاستحقاقات المقبلة.

تجلى ذلك في أن السبسي تمنى للنهضة التوفيق في وجهتها الجديدة ولم يشأ أيضا اللجوء لصلاحيات تخوله إقالة الشاهد، بل حثه على التوجه للبرلمان لنيل الثقة من جديد ومواصلة عمله على رأس الحكومة.

وقال “التوافق حقق لتونس استقرارا نسبيا والآن دخلنا في مغامرة جديدة.. اليوم اختارت النهضة طريقا آخر، وإن شاء الله يكون جيدا لتونس ولكن لا أظن”.

كذلك، شدد السبسي على أن “الانتخابات ستكون في موعدها. لا تقديم ولا تأخير”، وهو ما يعني حرصه على تجنب الصدام مع النهضة التي تتمسك بالموعد المقرر في ديسمبر/كانون الأول من العام المقبل.

وفي بيان أصدرته بالمناسبة، قالت النهضة إن الاختلاف في وجهات النظر حول عدد من القضايا التي تعيشها البلاد وفي مقدمتها الاستقرار الحكومي، لا يعني التنكر “للعلاقة المتينة التي تربطنا برئيس الجمهورية”.

وفيما يبدو حرصا على تجنب الشقاق، هوّنت الحركة من القطيعة، وقالت إن الاختلاف في وجهات النظر هو من صميم الحياة الديمقراطية ومن متطلبات دقة المرحلة وجسامة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام الوطني.

‎ولم تكتف بذلك، إنما أشادت بدور السبسي منذ انطلاق الثورة في إرساء ثقافة التشاور والحوار بين الفرقاء السياسيين “في مواجهة خيارات التفرد والإقصاء والمغالبة”.

خريطة جديدة

ومع تسبب أزمة الشاهد في فراق الجانبين، فإنه بات من المؤكد أن الخريطة السياسية بتونس بصدد التشكّل من جديد.

ووفق مراقبين، فإن حركة النهضة ستحتفظ بزخمها الشعبي في الاستحقاقات المقبلة، بينما تعصف الخلافات بنداء تونس حيث انسحب كثيرون وانقسم الباقون إلى فريقين متخاصمين، أحدهما يدعم الشاهد والآخر يقف في صف حافظ السبسي نجل الرئيس.

وبعد ضمان دعم النهضة وتشكل كتلة جديدة في البرلمان مؤيدة له يخرج الشاهد منتصرا، ليس لأنه كسب رهان البقاء في منصبه، وإنما لكونه فرض نفسه طرفا قويا يطمح لخلافة السبسي في قصر قرطاج.

وينقل مراسل الجزيرة لطفي حجي عن مراقبين قولهم إن حركة نداء تونس تعيش أسوأ مراحلها منذ تأسيسها وتوشك على التفكك وفق مراقبين، مما يهيئ لتحالفات سياسية جديدة قد يخرج منها الشاهد الفائز الأول.

أما عضو المكتب التنفيذي لحزب البديل التونسي خميس قسيلة، فيرى في حديث لصحيفة الصباح أن “حركة النهضة هي المستفيد الأكبر من هذا الموضوع.. وهي الماسكة بالخيوط الرئيسية”.

ووفق قسيلة، فإن التطورات الأخيرة تزيد من ضعف نداء تونس بينما تظهر النهضة للممولين وشركاء تونس “كحركة عاقلة ورصينة وتعطي الأولوية للاستقرار وتراعي التزامات تونس.. وتريد أن تشدد على أن الفترة الحالية هي فترة التزامات بالتعهدات وإعداد الميزانية وليست فترة تغيير”.

المصدر : الجزيرة + وكالات,الصحافة التونسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى