تقرير إفريقيمختارات

ملفات القمة الأفريقية الـ30: تحديات أكبر من قارة

كثيرة هي التحديات التي تواجه القارة الأفريقية، من الفساد إلى الهجرة غير الشرعية، والإرهاب المنتشر في الساحل الأفريقي، إضافة إلى الخلافات الثنائية بين بلدانها، لتصبح هذه المنطقة من أكثر بؤر التوتر والفقر والفساد في العالم، وتتحوّل أزماتها إلى معضلات مستمرة منذ سنوات، لم تفلح الجهود المبذولة في حلها، لتنعكس مشاكل دولية أكبر من القارة.
أمام هذا الواقع، يجد زعماء الاتحاد الأفريقي أنفسهم خلال القمة الـ30 التي بدأت اللقاءات التحضيرية لها أمس الإثنين، وتُتوج بلقاء رؤساء وقادة هذه الدول يومي 28 و29 الحالي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. هذه القمة اختير لها عنوان “الانتصار في مكافحة الفساد… طريق مستدام للتحول في أفريقيا”، بما يعكس وعي هذه الدول لخطورة ملف الفساد المنتشر بشكل كبير في القارة، ويشكل عبئاً ضخماً على مواطنيها، الذين يهربون من جحيم الفقر للحصول على فرص أفضل في العيش وتتحوّل القارة السمراء إلى منطلق أساسي للمهاجرين، لتُرسم صورة نمطية حيال المهاجرين من القارة، ربما كان التعبير الفج عنها ما جاء على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام حين وصف دولاً أفريقية بأنها “أوكار قذرة” خلال اجتماع حول الهجرة، وهي صورة سيكون على القادة الأفارقة العمل على تغييرها. وفي هذا السياق، اعتمدت لجنة المندوبين الدائمين للدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، خلال جلستها الافتتاحية أمس الإثنين، مشروع قرار تقدّمت به السنغال، لإصدار إعلان رسمي من القمة الأفريقية يدين تصريحات ترامب. ودعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، الأفارقة إلى التوحد أمام “بروز الكراهية ضد الأجانب”، مضيفاً: “يجب أن تتوحد القارة في مواجهة التحديات الماثلة من الصراعات والنزاعات والهجرة”.
وانطلقت أعمال القمة رسمياً أمس باجتماعات لجنة المندوبين الدائمين، والتي تعقبها أعمال المجلس التنفيذي على مستوى وزراء الخارجية يومي 25 و26 يناير/كانون الثاني الحالي، قبل أن تُعقد القمة على مستوى زعماء ورؤساء دول وحكومات البلدان الأعضاء في الاتحاد يومي 28 و29 الحالي.
وسيكون ملف مكافحة الفساد الحاضر الأبرز في هذه الاجتماعات، إذ تكشف المعطيات أن هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير في معظم دول القارة، في ظل نقص الشفافية وغياب الأرقام الرسمية عن حجم الفساد، إضافة إلى عدم وجود آليات قانونية تطبق على كبار المسؤولين خلال وجودهم في السلطة. ومن المتوقع أن تحضر بشكل خاص التجربة التونسية في مكافحة الفساد بعد ثورة 2011، والتحديات التي لا تزال تواجهها هذه التجربة والآليات المطلوبة لتعميمها على دول أفريقية أخرى.

في غضون ذلك، سيكون ملف الهجرة حاضراً أساسياً في أعمال القمة، مع توسع هذه المعضلة بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وسط غياب تعاون مشترك بين دول القارة للحد منها. وتفاقمت قضية الهجرة غير الشرعية بشكل كبير منذ العام 2011، مع استغلال المهربين عدم الاستقرار الذي يسود ليبيا لنقل آلاف المهاجرين نحو أوروبا، في رحلات تؤدي إلى مقتل الكثير منهم غرقاً في البحر. وبحسب تقرير أعدته المنظمة الدولية للهجرة أخيراً، فإن 3116 مهاجراً فقدوا حياتهم في البحر المتوسط خلال العام 2017، في محاولتهم الوصول إلى أوروبا.

ويبرز في هذا السياق مسعى المغرب لتقديم خطة عمل أفريقية بشأن الهجرة خلال هذه القمة، خصوصاً أن للمملكة تجربة مهمة في هذا السياق، إذ تحوّلت من بلد عبور إلى بلد استيعاب للمهاجرين في الفترة الأخيرة. وعُقد في العاصمة المغربية الرباط، في 9 الحالي، مؤتمر للنظر في صياغة خطة أفريقية حول الهجرة، بحضور عشرين وزيراً ومسؤولاً حكومياً أفريقياً. وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في كلمة له خلال المؤتمر، إن “الأجندة (الخطة) الأفريقية حول الهجرة تهدف إلى جعل قضية الهجرة رافعة للتنمية المشتركة وركيزة للتعاون جنوب- جنوب (بين الدول الأفريقية) وعاملاً للتضامن”، مشيراً إلى أن “عدد المهاجرين الأفارقة في العالم يبلغ 36 مليون مهاجر، من إجمالي عدد المهاجرين الذي يبلغ 258 مليوناً، أي أن نسبة المهاجرين الأفارقة تمثل 14 في المائة على المستوى الدولي”. وتأتي الخطة من منطلق أن أزمة الهجرة مسؤولية الدول الأفريقية بالدرجة الأولى، بالتعاون مع دول الإقليم والعالم، وهدفها الأساس إيجاد حلول تنموية تبقي المواطنين الأفارقة في أرضهم.

مغاربياً أيضاً، تنعقد القمة في ظل ارتفاع التوتر بين الجزائر والمغرب، أكان حول ملف الصحراء وجبهة البوليساريو، أم حول الاتهامات الجزائرية المتجددة للمغرب بإغراق البلاد بالمخدرات. كذلك تأتي القمة مع استمرار الانقسامات والمواجهات في ليبيا، فيما لا تزال تونس تمر بعدم استقرار بعد سنوات من ثورة 2011.

في سياق آخر، ستكون إثيوبيا البلد المضيف للقمة، طرفاً في أزمة كبيرة تشهدها القارة السمراء حالياً، وهي الخلافات حول سد النهضة الذي تعمل أديس أبابا على إنشائه على نهر النيل، ما أثار خلافات كبيرة مع مصر والسودان، من دون مؤشرات بالتوصل إلى حل يرضي الأطراف الثلاثة. وذكرت مصادر إعلامية أن هذا الموضوع سيحضر خلال قمة ثلاثية تُعقد على هامش القمة بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين والرئيس السوداني عمر البشير.

ولن تغيب القضية الفلسطينية عن القمة الأفريقية، إذ يشارك الرئيس الفلسطيني محمود عباس فيها ويلقي كلمة لطلب دعم هذه الدول وتأييدهم للحقوق الفلسطينية، في وقت تواجه فيه القضية تحدياً خطيراً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل وعزمه نقل سفارة بلاده إليها، إضافة إلى التقارير المسربة عن مسعى لفرض تسوية على الفلسطينيين تصب لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
ومن المتوقع أيضاً أن يكون لملف الإرهاب حضور بارز خلال القمة، خصوصاً مع فشل الجهود في القضاء عليه في دول الساحل الأفريقي، باستمرار نشاط “القاعدة” و”بوكو حرام” وغيرها من الجماعات، على الرغم من أن الملف يحظى باهتمام أوروبي يتجلى تحديداً في التحرك العسكري الفرنسي عبر عملية برخان لمكافحة هذه الظاهرة في تلك المنطقة.
العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى