حواراتحوارات مختارة

راشد الغنوشي : ‘الإسلام لا یتعارض مع الحداثة و ھذا ما نصحت به مستشار أردوغان لیلة الإنقلاب’

 

 

 

بــاب نــات – ترجمة :طارق عمراني –

أجرت صحیفة دایلي صباح التركیة حوارا خاصا مع زعیم حركة النهضة الشیخ راشد الغنوشي نشرته بتاریخ 31 دیسمبر 2017 تحت عنوان Movement Ennahda s’Tunisia leader Ghannouchi: Muslim world can incorporate modernity without negating religion

هذا نص الحوار كاملا ومترجما إلی العربیة :

الصحفیة :هناك من یدافع عن فكرة أنه من الضروري للحركات الإسلامية رفض الحداثة وانكارها وهو مایتعارض  مع الاطروحة القائلة بأن قدر الحركات الإسلامية هو الانفتاح علی العالم الحدیث و التفاعل معه من الداخل وفتح قنوات الحوار معه فماهو رأیك ؟

راشد الغنوشي : بدأ هذا النقاش في العالم الإسلامي مع القرن التاسع عشر عندما تم الوقوف علی حقیقة أن الحضارات الأخری قطعت أشواطا كبیرة نحو الحداثة و تمكنت من تطویر وسائل الإنتاج و الأسلحة والتقنیات وهو ّف العالم الإسلامي وواحدة من بین الكثیر من الأجوبة ّم الحضارات الأخری و تخل ما طرح التساؤل عن سبب تقد إعتبرت أننا لن نتطور مالم نمسك بأسباب تطور العالم الغربي وهو ماقوبل برفض وجهة نظر أخری تری ان الإسلام یرفض إقتباس عادات الحضارات الأخری ،وكان مقترح الحركة الإصلاحیة الإسلامیة وسطیا بإقتباس ما ّی هذه المقاربة،وقد حافظنا علی هویة ة الإسلامیة ونحن نتبن ّ ینفعنا من الحضارة الغربیة مع المحافظة علی الهوی خاصة بنا فخیر الدین باشا الوزیر الأكبر في الإمبراطوریة العثمانیة كان یعتبر أن دیننا یبیح لنا إستجلاب ماینفعنا ا إذا كان من الضروري مكوثها في ّ من الأفكار مالم تتعارض مع قیمنا ففي موضوع المرأة مثلا إحتدم النقاش عم المنزل أو إذا كان من الممكن لها أن تخرج للعمل مثل المرأة الأورویة و في هذا الإطار إقترحت الحركة الإسلامیة أن تخرج المرأة للعمل مع محافظتها علی هویتها دون إهمال باقي مسؤولیاتها فالمرأة الیوم تشارك في الشأن العام مرتدیة الزي الإسلامي وهو مایخلق التوازن الذي تحدثنا عنه في مواءمة بین دورها الجدید في المشاركة في الحیاة العامة و المحافظة علی الهویة الإسلامیة.

الصحفیة :العلمانیة أیضا موضوع شائك و مثیر للجدل فالرئیس رجب طیب أردوغان كان قد إعتبر أن العلمانیة هي المقاربة الملائمة للحكومة المصریة في سنة 2011 وهو ما أثار جدلا كبیرا آنذاك كما تتذكر ،فماهو توجّهك في هذا الموضوع؟

راشد الغنوشي : العلمانیة مفهوم متشعب ویأخذ العدید من الأشكال  ،حتی في الغرب فلدیك النموذج البریطاني من جهة والنموذج الفرنسي من جهة أخری وهما مختلفان شدید الإختلاف ،ونحن قبلنا بالدولة الحدیثة كتعبیر للإرادة الشعبیة ونقبل أیضا بمفهوم المواطنة الذي ینظّم العلاقة بین المواطن والدولة وبین المواطن و نظیره ،إنها المواطنة التي تساوي بین الجمیع بغض النظر عن الإنتماءات الدینیة ،وكذلك العلاقة بین الدولة و المواطن یمكن أن تأخذ أشكالا أخری ففي الحالة البریطانیة تأخذ الدولة مسافة متساویة من كل الأدیان بل وتحمیها ، فالملكة تحكم الدولة وتحكم الكنیسة في نفس الوقت ،أما في فرنسا فالوضع مخالف تماما فالدولة تری أن من واجبها مراقبة الدین و تقییده والعلمانیة في تونس وتركیا متأثّرتان بالنموذج الفرنسي الذي یسعی لحمایة العلمانیة ولو بالتدخل في الشؤون ة الجدل في فرنسا حول حظر الحجاب في الأماكن العامة، بینما یغیب هذا النقاش ّ الخاصة للمواطن وهذا ما یفسّر قو تماما في المملكة المتحدة ،ونحن نعتقد بضرورة وجود إستقلالیة و تعاون بین المؤسسة الدینیة والدولة فلا ینبغي للأخیرة أن تسیطر علی الدین ولا ینبغي لرجال الدین فرض وصایتهم علی الدولة ،في تونس لیس لدینا مجلس دیني یراقب القرارات البرلمانیة فالبرلمان یمثل إرادة الشعب وفق ما اقتضاه الدستور فالدولة لا تكون علمانیة إذا لم تكن ّفق مع هذه علمانیتها متوائمة مع حریة المعتقد وحریة الضمیر وحریة التفكیر ونحن نعتقد أن الإسلام یت الحریات،تونس دولة مدنیة تحتكم إلی إرادة الشعب عبر الإنتخابات الحرة و النزیهة.

الصحفیة: في خطاباته التي ألقاها في السودان والتشاد إنتقد أردوغان بشدة الإستعمار وممارساته فقال خلال  زیارته إلی السودان :”إن المستعمر عندما یشتم رائحة النفط یكون أكثر ضراوة من قرش إشتم  رائحة الدم” فهو یری وأنه رغم محاولات القطع مع المستعمر بعد استقلال تلك الدول فإن الإستعمار لازال قائما فیها إلی الیوم فما رأیك في هذا الطرح خاصة و أنك وجه سیاسي فاعل في تونس إحدی مستعمرات فرنسا سابقا؟

راشد الغنوشي : في إعتقادي أن الدول الافریقیة و الآسیویة قد تخلصت من أغلال الإستعمار ،فقط إسرائیل یمكن  تسمیتها بالكیان المستعمر بشكل رسمي،ولقد غادرت القوی الإستعماریة مستعمراتها مكرهة بعد أن خسرت أكثر مما جنته منها ولكن بقیت تتحكم بشكل أو بآخر فیها،فعلی الرغم من أن الدول المستقلة لها أعلامها المستقلة وسیادتها الوطنیة فإنها في الحقیقة مرتبطة علی مستوی الثقافة والإقتصاد والعلاقات الدولیة بمراكز النفوذ الوازنة في العالم فالبلدان التي كانت تحت الإستعمار البریطانیة تحافظ علی علاقات عضویة بالمملكة المتحدة وتنظّمت هذه الدول في إطار مایعرف بدول الكومونویلث نفس الأمر بالنسبة للدول الفرانكفونیة المرتبطة بفرنسا ولكننا نتوجه رویدا نحو عالم متعدد الأقطاب فالعالم اكبر من بریطانیا و فرنسا والولایات المتحدة خاصة مع صعود قوی إقلیمیة واعدة علی غرار تركیا وا یران والبرازیل و الصین و اندونیسیا والهند.

الصحفیة: یقال أن المنطقة الیوم تعیش فترة مابعد الربیع العربي وهناك من یسمیها فترة ما بعد داعش ،هناك تغيرات متسارعة والتحالفات متحركة وغیر دائمة ،ماهو تقییمك لأوضاع الشرق الأوسط وماهي توقعاتك و اقتراحاتك؟

راشد الغنوشي : في تونس دخلنا في 2011 مرحلة جدیدة من الحریة فتونس بمثابة شمعة مضیئة في المنطقة العربیة التي كانت تعیش خارج التاریخ وقد أخذت دول أخری المشعل علی تونس لكن هذه الدول للأسف إصطدمت بثورات مضادة قویة ،مازالت المعركة مستمرة وطریق الحریة طویل،ففي تونس تمكنا من إحباط محاولات جادة لجرنا نحو مربعات العنف و الفوضی و قد حاولوا أیضا التآمر علی تركیا لإصطفافها وراء دول الربیع العربي لكنهم فشلوا ،لقد أثبت النموذج التونسي إمكانیة قیام دولة دیمقراطیة في المنطقة العربیة وأن الدیمقراطیة لا تتعارض مع الإسلام ،الإنتقال الدیمقراطي في تونس مازال قائما وخیر دلیل هو التعایش والتحالف بین الإسلامیین والعلمانیین،ففي تاریخ الثورات لا یكفي إعلان الثورة حتی تنجح و الإطاحة بطاغیة لایعني بناء صرح من الدیمقراطیة ،فرنسا مثلا إنتظرت 70 سنة حتی تستكمل إنتقالها الدیمقراطي.

الصحفیة : كیف تلقیت خبر محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركیا هل لك أن تحدثنا عن تلك اللیلة؟

راشد الغنوشي: كنت جالسا في هذه الغرفة مع بعض الإخوة وصدمنا بالخبر،إتصلت لیلتها بأحد مستشاري الرئیس أردوغان لكنه لم یكن بجانبه وقتها ،أشرت له بأن النزول إلی الشارع هو الحل الوحید،كانت لیلة من لیالي االله ،لیلة تاریخیة وملحمیة ،صدور عاریة أمام الدبابات و تحت الطائرات ،للحریة ناسها ومن ذاق طعمها لن یرضی بالعودة إلی الوراء.

الصحفیة : كل ما صار خلاف بین تركیا و بعض الدول ،إلا وعاد الماضي العثماني إلی الواجهة ،مثل الخلاف مع وزیر الخارجیة الإماراتي الذي بدأ بعد محاولته إهانة فخر الدین باشا الذي دافع عن المدینة المنورة ضد البریطانیین ماهو تفسیركم لهذا الإستحضار المتكرر لفترة الحكم العثماني؟

راشد الغنوشي: لدی التونسیین ذاكرة جمیلة وا یجابیة مع الحكم العثماني الذي وصل تونس في منتصف القرن التي السادس عشر وفي فترة أخری  بینما كانت تونس تحت الحكم الإسباني تتعرض إلی محاولات التنصیر الممنهجة استهدفت الشعب وصلت حد تدنیس المقدسات بتحویل جامع الزیتونة المعمور إلی إسطبل للخیول وهو واحد من أقدم جوامع وجامعات العالم قدم سنان باشا بجیشه للدفاع عن تونس من الإسبان الذین دمروا الأندلس وطردوا المسلمین منها ،بفضل الجیش العثماني عادت تونس إلی الإسلام ،إسم سنان باشا مازال إلی الیوم یطلق علی شارع من شوارع العاصمة تونس،عندما زرت اسطنبول بحثت عن قبر سنان باشا وعندما وجدته تأثرت حد البكاء لأن له الفضل بإني الیوم مسلم.

الصحفیة : كیف تری دور تركیا في مستقبل العالم الإسلامي خاصة بعد موقف رجب طیب اردوغان من إعتراف ترامب بالقدس عاصمة للكیان وما رأیك في مبادرة الدعوة لإنعقاد قمّة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي؟

راشد الغنوشي: ما أقدم علیه الرئیس الأمریكي هو تحدّ واضح لمشاعر 5.1 ملیار مسلم وخرق للمواثیق الدولیة فقد أعطی ما لا یملك لمن لا یستحق ،لفلسطین شعبها وهي مركز التاریخ و الحضارة ،الأقصی مقدّس بالنسبة لملیار ونصف مسلم ،وما قام به الرئیس اردوغان أقل ما یجب أن یقوم به أي رئیس آخر یعتقد في القرآن الكریم،وأنا متفق مع قوله “إذا فقدنا القدس الیوم سنفقد مكة غدا” ،الفلسطینیون یدافعون عن أرضهم هناك وهم في حاجة إلی الدعم الرسمي لكن الصف العربي لیس علی كلمة واحدة وهو ما یفسر غیاب بعض الرؤساء وتمثیلیات بعض الدول عن القمة الإسلامیة ومافعله الرئیس التركي كان رسالة للمرابطین في الأقصی بأن الأمّة معهم والشعب التركي العظیم معهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى