رأي

صمام الأمان 5: إطلاق المشاريع الحضارية التنموية العملاقة هي فقط الكفيلة بالقضاء على الهجرة السرية

 

لا يُنكر أحد اليوم في تونس أنّ من أقوى أسباب “هجرة الشباب السرية” أو “الحرقة” كما نسميها بالعاميّة، نحو أوروبا هو الفقر والتهميش والبطالة وغياب التنمية الجهوية والحلول الجديّة لمعالجة هذه المظاهر الاجتماعية المتفاقمة في بلادنا مع الأسف.
وهو ما يعني أن الدولة هي من يتحمل نصيب الأسد من المسؤولية في “حرقة” شباب تونس نحو اوروبا وبالتالي نحو المجهول. إلاّ أن الحكومة الحالية كسابقاتها يبدو أنّها لا “حلّ” لها ولا قوّة غير الحل الأمني وقوّة الردع البوليسي والعسكري.
وهي حلول يعلم الجميع أنه لا يمكن لها أبدا أن تحلّ الأزمة أو أن تعالج الظاهرة بالرغم من التمويل الأوروبي والدعم الغربي لمجابهة هذه الظاهرة أمنيا. ففي بلد حدوده البحرية تتجاوز 1300 كلم من الصعب جدا إن لم نقل من المستحيل القضاء نهائيا عن “الحرقة” وقوارب الموت مهما كانت المساعدات الأجنبية والجهود الإستخباراتية والأمنية الإستباقية.
فالحلول والمعالجات الترقيعية والأساليب الأمنية والبوليسية لم تعد ذات جدوى، كالتي رأينها مؤخرا بعد غرق القارب الذي اصطدم بخافرة الجيش البحري وأسفر عن كارثة بشرية حقيقية راح ضحيتها عشرات من شباب تونس في سابقة تعد جد خطيرة وتستدعي وقفة حازمة لفهم وتحليل وحلحلة هذه الظاهرة التي أصبحت هاجس وحلم شباب اليوم للأسف، بعد أن برهنت لهم حكومتهم ودولتهم على عجزها عن احتوائهم وتوفير لهم الحد الأدنى من التأطير والتوجيه ومقوّمات العيش الكريم.
كما أن عديد الأطراف اليوم تتحمل مسؤولية انتشار هذه الآفة وتفاقمها، ليست الدولة وحدها التي تتحمل المسؤولية. فالعملية التوعوية هنا مهمة جدا وضرورية وهنا يكمن دور الإعلام الذي التفت للأسف عن مثل هذه القضايا المهمة والمصيرية وبات ينشغل بقضايا وحوادث تافهة مثل حكاية “القبلة” وزواج المسلمة من غير المسلم ، والمساوات في الميراث والمثلية الجنسية وغيرها التي أصبحت حديث الجميع بينما هي أتفه من ان تكون موضوعا للنقاش في مثل هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها البلاد.
فأبناؤنا اليوم في أوروبا من المهاجرين بالطرق الغير قانونية يتعرضون لأبشع الانتهاكات ويعيشون أسوأ الظروف مشرّدين، حتى أصبحوا “قطعا للغيار” يختطفون وتقطع وتباع أعضاؤهم للعصابات والسماسرة والمافيا ويعاملون بأسوإ الطرق في أحسن الحالات فيكون مصيرهم إما الموت أو المافيا أو الإرهاب، بعكس ما يتم ترويجه من أن اوروبا هي “جنة” للعيش الكريم وجمع الاموال والثروات وتحقيق أحلام الشباب التونسي الضائعة.. بل هي اليوم “جحيم” المهاجرين.
وفي ظل هذا الواقع الخطير لابد للجميع تحمل مسؤولياته ولابد من حل حقيقي للقطع مع هذه الأزمة. ولابد إذا من مقاومتها بالحل التنموي والاقتصادي وليس بالحل الأمني الفاشل والمحدود.
اليوم البلاد في حاجة إلى يد عاملة في عديد المهن والحرف فلما لا يقع إنشاء مخيمات كبرى للتكوين المهني الجماهيري للشباب من قبل وزارة الدفاع لتخريج آلاف الحرفيين سنويا من أصحاب الكفاءة والتكوين المهني والأخلاقي والبدني. وهكذا يمكن حتى تصدير بعض هذه الكفاءات المهنية والحرفية إلى أوروبا بصورة قانونية وشرعية كما حصل في سبعينات القرن الماضي حيث استوعبت اوروبا الآلاف من الحرفيين التونسيين.
ثم لماذا لا نتجه نحو الفلاحة وإشعال فتيل ثورة زراعية خضراء وتمكين الشباب من إحياء الأرض وغراستها وتملكها وتوفير التاطير والتكوين والتمويل اللازم لكي ننجح في مشروع حضاري عملاق يلتف حوله الجميع لغراسة 50 مليون شجرة زيتون في تونس.
هل نحن اليوم قادرون على تفعيل مثل هذه الحلول بعيدا عن الحلول الأمنية و”البلطجية” كما تفعل بعض الدول المجاورة بإيعاز من إيطاليا وغيرها..
الحلول الحقيقية والفاعلة لمقاومة الهجرة السرية اليوم وتفادي الكارثة إنما هي حلول تنموية وتشغيلية وتكوينية من خلال اطلاق مشاريع حضارية عملاقة يلتف حولها الجميع لإنجاحها ، وعلى أوروبا اليوم الدفع في هذا الاتجاه والاستثمار فيه مع الدول المعنية وليس الاعتماد على الحل الأمني والقمعي الذي لن يكبح جماح الشباب ولن يثنيهم عن “الحرقة” لأنّ الأسباب التي تدفعهم لذلك مازالت قائمة. وهنا لابد من مقاومة الأسباب ومعالجتها وليس الاكتفاء بمجابهة النتيجة التي لن تزول ببقاء أسبابها وتواصلها.

وربي يقدر الخير

اسكندر الرقيق 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى