دراسات

المساواة في المـيراث هل هـو لفائدة المـرأة ؟

إن مطلب المساوة بين المرأة والرجل في الميراث هو مطلب أساسي في نضالات العديد من القوى المدنية والحقوقية في تونس والتي ترى أن هذه المسألة ليست دينية وهي قابلة للتطور  بتطور حياة  المجتمع الاقتصادية والاجتماعية ولكن قبل الخوض  في مناقشة هذا الرأي وتداعياته  لا بد أن نشير في البداية إلى أن  هذا المطلب مبني على اعتقاد خاطئ  بأن المرأة في الإسلام ترث دائما نصف منــاب الرجل في حين أن ميراث المرأة في الإسلام صور متعددة وليست صورة واحدة .

هناك حالات تأخذ المرأة نصف مناب الرجل وحالات تأخذ نفس مناب الرجـــل وحــــالات أخرى ترث أكثر منه وحالات ترث المرأة ولا يرث نظيرها من الرجـال.

الحالات التي ترث فيها المرأة نصف مناب الرجل :

الحالات التـي ترث فيها المرأة نصف مناب الرجل لا تزيد على أربعة حالات:

الحالة الأولى هي حالة البنت مع أخيها لقوله تعالى :” يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ’’.

الحالة الثانية هي حالات الأم مع الأب مع عدم وجود أولاد لقوله تعالى:’’فإن لــــم يكن له ولد وورثة أبوه فلأمه الثلث’’، ففي هذه الحالة يأخذ الأب الثلثان والأم الثـــلث.

الحالة الثالثة الإخوة والأخوات لقوله تعالى:«إن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين».

الحالة الرابعة هي حالة الزواج والزوجة قال تعالى : «لكم نصف ما تــرك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصـــية يوصين بها أو دين ولهم الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولدٌ فإن كان لكم ولد فلهــن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين».

 حالات ترث المرأة مثل الرجل:

إن المرأة قد ترث مثل الرجل من ذلك حالة الأب والأم مـع وجود فرع وارث ففي هذه الحالة يأخذ كل من الأبوين السدس, كذلك إذا توفي شخــص وترك بنتا وأباً ففي هذه الحالة ترث البنت النصف ويرث الأب السدس مع باقــي الميراث فيصبح نصيبه نصف التركة , كذلك حالة الأخ لأم والأخت لأم اللذان لـهما نفس النصيب من تركة أخيهما لقوله تعالى :’’ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ وأخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فــي الثلث.’’

كذلك حالة البنت مع العم فترث الابنة النصف فرضاً ويرث العم الباقي بالتعصـيب

كما أن هناك حالات ترث فيها المرأة  أكثر من الرجل .

 حالات ترث المرأة أكثر من الرجل: 

نذكر من بين هذه الحالات حالة الزوج مع ابنتــه الوحيدة حيث يرث الزوج الربع والبنت النصف ويرد عليها الربع الباقي  وكــذلك حالة البنت مع أعمامها.

كما أن هناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال مثل حالة امرأة ماتت وتركت زوجاً وأماً وأباً وبنت إبن ففي هذه الحالة ترث بنت الإبن السدس في حين لـو تركت إبن إبن بدلاً من بنت إبن فإنه لا يرث شيء لأنه يرث الباقي تعصيباً والبـاقي هنا صفر.

وكذلك في حالة ما إذا توفيت إمرأةٌ وتركت زوجها وأخت  شقيقة وأخ لأب فإن أخ الأب لا يأخذ شيئا لأن الباقي هنا أيضاً صفر. وكذلك لو مات شخص وترك أم أم وأب أم فترث أم الأم السدس فرضاً  وباقــي التركة ترد عليها.

ويستخلص مما سبق أن تميز الرجل في المواريث ليس قـــاعدة ثابتةٌ بل جاء في حالات محصورة وخاصة والسبب في ذلك أن المواريث فـي الإسلام لا تقوم على الأنوثة أو الذكورة بل تقوم على درجة القرابة بين الوارث والموروث وطبقته ومسؤوليته المالية فالرجال في الإسلام قوامون على النساء فـــهم ملزمون بالإنفاق على المرأة والأسرة لذلك ميزهم الإسلام في بعض الحالات بضعف نصيب المرأة فـــــي حين أن المرأة غير ملزمة بالإنفاق على أسرتها ولا حتى على نفسها فهي مسؤولة من أبيها ثم من  زوجها ثم من ابنها.

وبما أن تبرير تمييز الرجل في  الميراث بضعف نصيب المرأة هو واجب الإنفاق المحمول عليه فهل أن طلب المساواة في الميراث يسقط هذا الواجب عنه ويجعل الزوجة ملزمة بالمساهمة في نفقة الأسرة مهما كان وضعها مثلما هو الشأن في القانون الفرنسي؟

 يقول البعض وما الضرر في ذلك خاصةً وأن أغلب الأسر في بلادنا  تعولها نساءً وأن المرأة تساهم في أغلب الأحيان بقسط وافر في تكوين أموال الأسرة؟ وفي هذا السياق اقترح هؤلاء أن يقع تعديل قسمة الميراث حسب مساهمة المرأة في ميزانية الأسرة خاصة وأن هناك من فقهاء المالكية من ذهب في هذا الاتجاه في مسألة (الكبد والسعاية أو حق الشقاء) ورأى أن  المرأة يمكن أن تأخذ نصف التركة أو أكثر بحسب مساهمتها في ميزانية الأسرة كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما مات عمر بن الحارث وكانت زوجته حبيبة بنت رزق نساجة طرازة واستثمر في عملها حتى اكتسبوا أموالاً ثم مات وترك أمولا وعقارات فأخذ أهله مفاتيح الخزائن فتخاصموا ورفعوا أمرهم إلى عمر فحكم لها بنصف المال وبالإرث في الباقي  فإذا كان هذا اجتهاد عمر في فجر الإسلام فحري بنا أن نحين وضع المرأة مع ما هو سائد اليوم حيث انه من العدل والإنصاف أن ترث المرأة اليوم مناصفة مثلما تعول مناصفة.

أجيب هنا بأن واجب الإنفاق حمله المشرع في الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية للرجل بوصفه رئيس العائلة في حين أن مساهمة المرأة جعلها اختيارية واشترط أن يكون لها دخلاً وهو ما أكده فقه القضاء التونسي من ذلك القرار التعقيبي المدني عدد 5116 المؤرخ في 09 جون 1981 الذي ينص في حيثياته على ما يلي:»إن أحكام الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية ولئن اقتضت مساهمة الزوجة في الإنفاق على العائلة  إذ كان لها مال فإن تلك المساهمة إنما تفيد مجرد المساعدة ولا تقتضي أنها تنفق على نفسها وإعفاء الزوج كليا من واجب الإنفاق». وهو نفس الاتجاه الذي ذهب إليه القرار التعقيبي المدني عدد 521 المؤرخ في 29/09/2005  وكذلك القرار عدد 23282 المؤرخ في 19 فيفري 2009 الذي اشترط لمساهمة المرأة في الإنفاق على الأسرة أن يكون لها داخل قار  فمساهمة الزوجة في الإنفاق هنا تدخل في إطار التكافل والتعاون لتوفير مستلزمات الحياة للأسرة ولكن يبقى واجب الأفق الأساسي والأصلي محمول على الرجل الذي إن لم ينفق يصبح مرتكبا لجريمة إهمال عيال التي ينص عليها الفصل 53 مكرر من مجلة الأحول الشخصية وهو مطالب بالإنفاق على الزوجة حتى وإن كانت تعمل.

والسؤال الثاني الذي يطرح في ظــل المطالبة بالمساواة بين المرأة والرجل في الميراث هو هل أن المقصود بهذه المساواة هو المساواة في الحالات التي ترث فيها المرأة نصف مناب الرجل؟ أم أن المقصــود به المساواة في جميع الحالات فتفقد بذلك المرأة تميزها الإيجابي الذي خصها بـــه الإسلام والذي سبق بيانه؟

نجوى الحمراوي*

المصدر: الصباح، 31 أوت /06 سبتمبر 2017.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*-متفقد مركزي بإدارة الملكية العقارية ببن عروس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى