رأي

الدولة التونسية المعاصرة في الذكرى الستيين لقيامها

 

ولدت دولة تونس المستقلة في مناخ الأزمة التي عصفت بالحركة الوطنية التونسية، والاتحاد العام التونسي للشغل خلال سنتي 1955-1956، حول موضوع الكفاح المسلح، ومضمون الاستقلال السياسي. ففي حين كان الجناح المعتدل داخل الحزب الحر الدستوري الذي يتزعمه بورقيبة، ينادي بانتهاج سياسة المراحل وبمبدأ ” خذ وطالب “، الأمر الذي قاده إلى عقد تسوية مع الاستعمار الفرنسي، وبالتالي معارضة انصار الكفاح المسلح في المغرب العربي، كان الجناح الراديكالي داخل الحركة الوطنية الذي يتزعمه صالح بن يوسف الأمين العام للحزب آنذاك ينادي بتوحيد معركة التحرير الوطني مع الثورة الجزائرية، في سبيل تحرير كل المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي، وتوحيده في إطار دولة مركزية واحدة، فضلاً عن تأثره بأفكار باندوينغ التحريريه .”

فمنذ الاستقلال السياسي لتونس، احتلت جهاز الدولة نخبة سياسية – إدارية من الشرائح العليا للفئات الوسطى، وهي في الوقت عينه الفئة القائدة للحزب الدستوري الجديد، وعملت على تعبئة مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية بهدف تشكيل قاعدة اجتماعية وجماعة سياسية مساندة للدولة الجديدة – من حيث هي كيان سياسي قانوني -، وقطب تحقيق جماعي للذات – تبحث عن إضفاء الشرعية على تأسيسها، والتغلب على الازمات التي كانت تهددها في وحدتها ووجودها، في مختلف مراحل نموها، انطلاقاً من قوة المساندات هذه. ومع ذلك ظل تكوين هذه الدولة التونسية الجديدة المنبثقة من الاستقلال السياسي هشاً، ويعاني من نقص بنيوي في إضفاء الشرعية، بسبب ممارسة هذه الدولة البعد الوصائي على المجتمع المدني الوليد ….

إن النخبة السياسية الحاكمة في تونس التي قادت الكفاح الوطني في عهد الاستعمار، كانت تعبر عن الموقع المفصلي لايديولوجية النزعة القومية الكلية في خصوصيتها التونسية، التي تقسم بها هذه الفئات الوسطى في ممارستها للصراع الوطني باسم الوطن، باعتباره كياناً قائماً بذاته، يمثل ” الأمة التونسية ” على تعبير بورقيبة، وذلك في تناقض كلي مع ايديولوجية القومية العربية التي تركز على مفهوم الأمة العربية الواحدة، وفكرة الوطن العربي الواحد. وكانت هذه الفئات الوسطى توظف هذه الايديولوجية القومية الكلية في خدمة قضية الاستقلال الوطني على الصعيد القطري، وبناء الدولة القطرية.
وفي نطاق تركيز سلطة الحزب الدستوري – الايديولوجية والسياسية، باعتباره أداة للسيطرة الطبقية لهذه الفئات الوسطى ـ نظراً للعلاقة العضوية القائمة بين جهاز الحزب وجهاز الدولة، أسس الحبيب بورقيبه النظام الجمهوري بعد أن خلع الباي الصادق باي في 25 / تموز العام 1957، وقام بتصفية الاحباس (الاوقاف العامة )، وبذلك دخلت تونس في مرحلة بناء جهاز دولة عصري، وتدعيم المؤسسات، وذلك على الوجه التالي :

– اصدار دستور لتونس في العام 1958، يتسم في طابعه العام بقدر معين من ” الليبرالية ” حيث حدد انتخاب رئيس الجمهورية مرة كل خمس سنوات.
– تأسيس مجلس الأمة، أي إنشاء البرلمان التونسي، الذي يوافق بشكل مطلق على كل القوانين والقرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية.
– إصدار مجلة الأحوال الشخصية للمرأة، التي تعتبر مكسباً ديمقراطياً حققته المرأة العربية في تونس لامثيل له في باقي الاقطار العربية، من حيث جذريته وعلمانيته، إذ حددت سن الزواج بـ 17 سنة، وأقرت بالاجهاض، ونصت على أن الطلاق لا يتم إلا أمام المحاكم، وعدلت من قوانين الميراث المستمدة من الشريعة الاسلامية لمصلحة المرأة خصوصاً، وحددت الزواج بامرأة واحدة لا أكثر، والمهر بدينار، ما يساوي دولار أميركي.
– إنشاء جهاز قضائي منفصل، ومستقل عن السلطة التنفيذية (نصياً ).
– فتح الجامعة التونسية، وغلق جامع الزيتونة، تحت دعوة ” علمنة التعليم”.
– حل كل الاحزاب المعارضة وتجميدها كالحزب الشيوعي.

ليس من شك أن النخبة السياسية – الإدارية المسيطرة على مجموع الدولة- الحزب الواحد بقيادة الحبيب بورقيبه، لم تكن نخبة ثورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها هي طليعة من المثقفين – الذين تعلموا في الجامعات الفرنسية، وتشبعوا بثقافة الغرب البرجوازية – وتتسم في طابعها العام بالثورية البرجوازية ضمن الأفق العلماني، بسبب اعتناقها العلمانية البرجوازية الفرنسية، وتأثر بورقيبه نفسه بكمال اتاتورك بوجه خاص. وهو الأمر الذي جعلها تجسد في مشروعها الوصائي على المجتمع المدني نوعاً من العقلانية، هي عقلانية ” ثورة من الأعلى ” التي تخدم البناء القومي الايديولوجي والسياسي للنظام الجديد، وتدعيم طابع الكلية الدولتيه، كنفي سلبي لدور الشعب. ” لقد طغت الدولة على المجموع الاجتماعي باسم عقلانية مشروعها. وهذا التطور المفرط للجهاز كان يعني في الوقت عينه غياب فضاء عام محدد بصورة متميزة، ومجهز بقواعده الخاصة وبممثليه. وبمقدار ما كانت الدولة غير مفصولة عن المجتمع، كانت لا تستطيع تمثيله. والدولة التي كانت تشكل وحدة تامة مع جهازها وبيروقراطيتها، كانت خارجة عن المحكومين. إن الصفة الخارجية والتداخل، وجدا التعبير عنهما في مركب الدولة – الحزب “.
إن ما يميز الدولة التونسية بعد الاستقلال هو طغيانها الكلي على مجموع المجتمع المدني بواسطة حزب سياسي ذي طبيعة شمولية، ولكنه اكتسب شرعيته السياسية والتاريخية بفضل النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وهيمنت عليه ايديولوجيا توفيقيه، هي الايديولوجيا الدستورية القومية الكلية، التي لم تجسد قطعية منهجية ومعرفية مع الوعي بالانتماء إلى الأمة الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية، ” وهي ايديولوجيا توفيقيه بحكم جمعها تاريخياً وزمنياً لعناصر متناقضة على الأقل ظاهرياً مثل الوطنية والعروبة والإسلام “.

كما أن الدولة التونسية هي التي اضطلعت بانجاز المشروع الذي يتسم بنزعة حداثية في مختلف مراحله، غير أن هذه النزعة الحداثية لم تكن كوعي مطابق للحداثة في مفهومها التاريخي، باعتبارها بنية كلية عرفتها تجربة الثورة الديمقراطية البرجوازية الأوروبية، في ارتباطها العضوي بالتحديث بوصفه سيرورة ثورية من التحول الاقتصادي والتكنولوجي في بنية المجتمع، تحققت مع الثورة الصناعية في الغرب، وإنما هي نزعة حداثية تجسدت في عقلانية برنامج اساسي للنخبة السياسية – الإدارية الحاكمة، استعادت به ” رسالة المستعمر (بكسر الميم) التمدينية “.ثم أن هذه النزعة الحداثية كظاهرة تونسية لها خصوصيتها، قادها بورقيبه وارتبطت بشخصيته الكاريزمتية التي تتدخل في كل المجالات بدون استثناء.

لقد طغت الدولة على المجموع الإجتماعي باسم عقلانية مشروعها، وهذا التطور المفرط للجهاز كان يعني في الوقت عينه غياب فضاء عام محدد بصورة متميزة، ومجهز بقواعده الخاصة وبممثليه. وبمقدار ما كانت الدولة غير مفصولة عن المجتمع، كانت لا تستطيع تمثيله. والدولة التي كانت تشكل وحدة قائمة مع جهازها وبيروقراطيتها كانت خارجة عن المحكومين. إن الصفة الخارجية والتداخل، وجدا التعبير عنهما في مركب الدولة – الحزب.

 توفيق المديني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى