تحاليل

لماذا تراجع اليسار في مجالات العمل النقابي والثقافي والطلابي؟ ولم تحتاج تونس يساراً جديداً؟

 

 

 

اعتمد اليسار التونسي تاريخيا على ثلاث مصادر لتعزيز صفوفه وتجديد موارده البشرية وجعل صوته الأقوى والأعلى في ساحات النضال الاجتماعي والسياسي.

كان في مقدمة هذه المصادر قطاع التعليم الذي يعتبر بمثابة المجال الحيوي لكل التيارات السياسية والعقائدية، وبالخصوص أصحاب الأيديولوجية الماركسية. وتعتبر العلوم الإنسانية الأقرب لاستعراض القوة الفكرية لدى اليساريين، خاصة بالنسبة لشعب الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والقانون. وهي الاختصاصات التي ساعدت كثيرا منظري الأيديولوجية الماركسية على تأسيس نظرياتهم، وتقديمها في قالب ” علمي” ساحر ومقنع ومثير. وبعد التدريس يحصل استقطاب التلاميذ والطلبة، وتبدأ عمليات تحريضهم وتأهيلهم للاحتجاج الاجتماعي. ولهذا السبب تعتبر الحركات الطلابية ميدانا مهما جدا لكل الحركات اليسارية، وهو ما كان يجعل منها حركات شبابية بامتياز خلال الستينات وصولا إلى الثمانينات من القرن الماضي.

أما القطاع الثاني الذي لا يقل أهمية عن الأول بالنسبة للأحزاب اليسارية فهو بالتأكيد النقابات، حيث كان الاتحاد العام التونسي للشغل ولا يزال القبلة المفضلة لتوظيف  الكوادر النضالية من أبناء اليسار، والعمل على الوصول إلى مواقع قيادية في هذه المنظمة الهامة والإستراتيجية. وهذا أمر مفهوم أيضا لأن تأسيس النقابات كان تاريخيا ولا يزال آلية هامة من آليات الضغط وتحقيق التوازن مع أصحاب رؤوس الأموال. وبما أن الشيوعية ولدت في سياق المعركة التاريخية بين قيمتي العمل والمال، فإن اليساريين من المنظور الماركسي مهمتهم الرئيسية تكمن بالأساس في حسن إدارة الصراع الطبقي حتى لا تضيع حقوق العمال، وحتى يتم القضاء على الاستغلال.

المجال الثالث الذي تأثر ببصمات اليسار التونسي هو القطاع الثقافي، الذي يشمل بالخصوص الشعر والقصة والمسرح والسينما . لقد كان الكثير من أبناء هذا التيار اندفعوا نحو هذا المجال وأبدعوا فيه نتيجة اقتناعهم بأن الثقافة وإن كانت ضمن البنية الفوقية حسب التحليل الماركسي، إلا أن لها تأثير هام في صياغة الوعي الثوري وإعادة بناء المفاهيم والرؤى وتحرير الأذواق من هيمنة الرؤية والنمطية الرأسمالية.

اليوم واليسار التونسي يواجه أزمة هيكلية وجوهرية، يلاحظ بأن دوره وحضوره تراجعا كثيرا في هذه المجالات الثلاث. فالحركة الطلابية انفجرت وتقلص وزنها كثيرا. ولا يعود ذلك فقط إلى صعود الإسلاميين منذ أواسط الثمانينات ، والذين نافسوا بقوة اليساريين داخل المؤسسات التعليمية بما في ذلك الجامعات، وأسسوا لأنفسهم تنظيما طلابيا خاصا بهم ومنافسا للاتحاد العام لطلبة تونس، ولكن تراجع حجم اليسار في الجامعات يعود أيضا إلى الانقسامات الحادة التي تشق اليساريين أنفسهم بسبب اختلافاتهم الأيديولوجية والسياسية والحزبية. ولهذا لم يعد صوت اليسار هو الأعلى في الكليات والمعاهد العليا، وأحيانا يجد الطلاب اليساريون صعوبة حقيقية لافتكاك مواقع مؤثرة في الحركة الطلابية رغم أنهم كانوا يتحكمون فيها خلال سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات.

أما الساحة النقابية فقد انحسر اليسار أيضا داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، وما حصل خلال المؤتمر الأخير لهذا الاتحاد دليل قطعي على ذلك. لقد بقي ما يسمى بالخط العاشوري هو الذي يقود الحركة النقابية بجدارة. والمقصود بهذا الخط نسبة للحبيب عاشور، ذلك النقابي الذي لم يتخرج من الجامعات، وإنما كان عاملا كادحا، وكان قريبا من شهيد الحركة الوطنية فرحات حشاد الذي اغتالته المخابرات الفرنسية عندما جمع بين قيادة الاتحاد وقيادة الحزب الدستوري في غياب الزعيم بورقيبة، وأصبح القائد الفعلي للحركة الوطنية التونسية في أوج صعودها واصطدامها بفرنسا. وقد رسخ عاشور لدى النقابيين، خاصة بعد خروجه من الحزب الدستوري ، روح الاستقلالية والابتعاد عن الأيديولوجيات ولعبة الأحزاب، والتركيز على بناء ما يسمى بالمهنية والروح النقابية. وفي هذا السياق لم يتمكن اليسار من الإطاحة بالتيار العاشوري إلى حد هذه اللحظة.

أما في المجال الثقافي، فقد بقي للمبدعين اليساريين بصمة ما في ما يقدم من إنتاج، لكن ما يلاحظ أن العديد منهم تطور فكريا، وتغيرت مفاهيم الكثير منهم، ورفضوا الانصياع أو الارتباط بالعائلات الحزبية اليسارية. أي أنهم دافعوا عن استقلاليتهم الفكرية والتنظيمية، وانفتحوا على مدارس الفن الجديد بمختلف ألوانها.

في ضوء هذا التراجع المسجل في أهم القطاعات التي اعتمد عليها اليسار تاريخيا لإثبات وجوده وتأكيد شرعيته، وإذا ما أضفنا إلى ذلك المعضلات الأيديولوجية التي لا يزال يتخبط فيها اليساريون، والتي لم يتوصلوا إلى معالجتها بشكل عميق ومنطقي، فإنه يمكن في ضوء ما تقدم فهم حجم الأزمة الهيكلية التي يمر بها اليسار التونسي رغم استمرار قدراته على الاحتجاج والمقاومة. ومع ذلك تونس تحتاج فعلا إلى يسار جديد.

عن عربي 21 بتاريخ 05 مارس 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى