تقارير

 إضراب قضائي لتحسين ظروف العمل وإرساء المجلس الأعلى 

 

 

لا يزال قطاع القضاء في تونس يشهد “كرًّا وفرًّا” مع السلطة التنفيذية، إذ لم تبق سبل الحوار مفتوحة بين السلطتين. وفي حين احتوى الإضراب العام الحضوري، الذي نفّذه القضاة يوم الإثنين 27 فيفري 2017 ، بعد إقراره من قبل الجلسة العامة لجمعية القضاة التونسيين، على مطالب اجتماعية ومهنية؛ فإن معضلة تعطّل إرساء المجلس الأعلى للقضاء تبقى مربط الفرس في تحرّكات القضاة.

ونفذ القضاة، يوم الإثنين، إضرابًا عامًّا حضوريًّا شمل جميع المحاكم، باستثناء المسائل شديدة التأكد، على غرار الأذون بالدفن والموقوفين الذين انتهت آجال الاحتفاظ بهم والطفولة المهددة، وقدرت جمعية القضاة التونسيين نسبة نجاح الإضراب بـــ 90 بالمائة، إذ التزمت به أغلب المحاكم التونسية.

واعتبر كاتب عام الجمعية، القاضي أنس الحمادي، في تصريح لـ”العربي الجديد” أن تجاهل الحكومة لمطالب القضاة كان الدافع الأول نحو التصعيد وإقرار الإضراب العام، مضيفًا أن الإضراب جاء احتجاجًا على تردي أوضاع القضاة وظروف عملهم، بعد أن سدّت الحكومة جميع سبل الحوار معها، رغم محاولات الاتصال بها والتفاوض معها عن طريق جمعية القضاة التونسيين.

وتمثلت المطالب أساسًا في تحسين الوضع المادي للقضاة، وصيانة المحاكم، التي لم تعد قادرة على استيعاب حجم العمل القضائي بعد الثورة، وتزايد الاختصاصات، على غرار قضايا الإرهاب، والفساد المالي، والرقابة على الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ومستقبلًا الانتخابات المحلية والجهوية، لكن الحكومات المتعاقبة لم تبد أي تفاعل معها، بالإضافة إلى أن الإطار القضائي لم يتطوّر، رغم ارتفاع نسق العمل، فيما تنعدم أبسط مستلزمات توفير الخدمة القضائية، فالبنية التحتية للمحاكم أضحت مهترئة، بدءًا بالمحكمة العليا في البلاد، وصولًا إلى بقية المحاكم الأخرى في شمال البلاد وجنوبها، والتي تشتكي من وضعية مزرية قد يستحيل معها في قادم الأيام تأمين مرفق عام العدالة.

وأكد الحمادي لـ”العربي الجديد” أن القضاة أخذوا بعين الاعتبار الظرف الاقتصادي الذي تمرّ به البلاد، إلا أنهم قوبلوا بالتجاهل التام من السلطة التنفيذية، ليتفاقم الوضع والاحتقان إثر تعثر سبل تركيز المجلس الأعلى للقضاء. وقال المتحدث ذاته إن “رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، هو المتسبب الأول في الأزمة، بامتناعه عن تسمية القضاة السامين في الرتب القضائية العليا، الذين رشحتهم الهيئة الوقتية للقضاء العدلي المختصة قانونًا بذلك”، لافتًا إلى أنه مضت ثلاثة أشهر على الترشيح دون البتّ فيها، وخيّرت الحكومة الانتصار لرأي فئة صغيرة من القضاة (نقابة القضاة)، التي تعارض ذلك، وهو ما تسبب في تعطيل تركيز المجلس، وبررت الحكومة ذلك بأن هناك خلافًا بين القضاة، وأنها تريد حلًّا توافقيًّا يرضي الجميع.

وأوضح كاتب عام الجمعية أن القضاة قدّموا حلًّا عن طريق مبادرة قضائية صاغها الرئيس الأول للمحكمة الإدارية، والرئيس الأول للمحكمة العقارية، ووكيل أول محكمة التعقيب، وقد حظيت برضا أكثر من ثلثي أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، الذين صادقوا عليها وأحالوها إلى الرؤساء الثلاثة، غير أن الحكومة نبذت الحل القضائي واقترحت مبادرة تشريعية، وتؤكد الجمعية أن هذه المبادرة انحياز للشق الأقلي على حساب توافق عريض جمع أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وهياكلهم المهنية، وهو ما يكشف مواصلتها التعنت في الإمضاء على التسميات، وذلك لرفضها الأسماء المقترحة ورغبتها في التدخل فيها بما يخدم مصالحها.

ونبّه القضاة، خلال إضرابهم، إلى أن المبادرة التشريعية التي أحالتها الحكومة غير ذات موضوع، لأن النص الدستوري والقانوني على درجة من الوضوح لا يشوبها الغموض، بما لا يستدعي التدخل بأي صفة من الصفات. واعتبرت جمعية القضاة أن تدخل الحكومة بإحالة مبادرة تشريعية لتنقيح قانون المجلس الأعلى للقضاء، بما يتيح انعقاده دون اكتمال النصاب القانوني المطلوب، سابقة خطيرة ستمس من سلامة الانتقال الديمقراطي ككل، واعتداء على القانون في حد ذاته، وتوعدت، في هذا السياق، بالتصعيد ضد هذه المبادرة “المخالفة للقانون”، والتي جاءت لهدم مبادرة القضاة وإفراغها، معربة عن استعدادها للتصدي لها بكل الطرق الشرعية والقانونية الممكنة.

 

أمينة الزياني

عن العربي الجديد بتاريخ 2017/03/01

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى