تحاليل

من يحكم تونس …؟

 

 

 

      مازال التحوير الوزاري – الطفيف كما وثقيل الوطاة كيفا – الذي اجراه رئيس الحكومة يوسف الشاهد يثير العديد من ردود الافعال والاسئلة المزلزل بعضها الى حدود سؤال “من يحكم تونس في هذه المرحلة من تاريخها؟”.  

سؤال مبرر موضوعيا باعتبار ما تضمنه هذا” التحوير الطفيف” من اشارات ثقيلة , اذ طال الوزير النقابي العتيق عبيد البريكي المحسوب واقعا اومعنى على اتحاد الشغل ليقع تعويضه بوجه من منظمة الاعراف على راس وزارة يعد شان منظوريها تقليديا من مشمولات المنظمة الشغيلة وهم ابعد ما يكون نظريا عن ارباب الصناعة والتجارة … وفي ذات التمشي “المناوش” او “الصدامي ” غض رئيس الحكومة النظر عن مطالب نقابتي التعليم الابتدائي والثانوي باقالة الوزير ناجي جلول . هذا المطلب الذي سل من اجله اطياف من النقابيين سيوفهم ولم يغمدوها بعد.

عموم المتابعين للشان توجسوا من ان تشهد البلاد مباشرة بعيد التحوير المثير للجدل ومع بداية الاسبوع الجاري اياما سوداء واستحضروا وقائع خميس اسود ذات جانفي من سنة 1978…. لكن الامر لم يحصل , وخلافا لهذا التوقع طلع نورالدين الطبوبي الامين العام للمنظمة الشغيلة على الناس مصافحا رئيس الحكومة ثم متواصلا مع رئيس الدولة مؤكدا غلبة منطق التشاور والحكمة ثم انتقلت عدوى هذا النهج الى تصريحات بقية قيادات منظمته وانخفضت الحرارة النقابية التي كانت متشنجة في البداية بشكل ملحوظ لتزداد حيرة المتابعين : “ماذا حصل ؟ ومن يحكم البلاد؟”.                                                                                                      القيادية النقابية نعيمة الهمامي اكتشفت منذ اللحظات الاولى ل” الازمة” وبفطنة لافتة ,- لعلها ورثتها عن زوجها الحكيم اليساري الفقيد عبدالرزاق الهمامي -, ان الاتحاد ليس اكبر قوة في البلاد” بمعنى ان مقاليد الحل والربط ليست بيده وحده وانما توجد الى جانبه في الساحة مصالح اطراف اخرى مؤثرة لا يستهان بقوتها خلافا لما يتوهمه بعض النقابيين السياسيين الذين جنحت بهم العزة بدور الاتحاد وثقله المستحق الى شطط التماثل مع الحكام والمطالبة بالعزل والتعيين في ما يشبه الاستيلاء الناعم على السلطة وهو ما نعتقد ان اطرافا محنكة في اعلى هرم الحكم قد تفطنت اليه فكانت الرسالة المشفرة المضمنة في التحوير الوزاري الاخير “ليس الاتحاد هو الحاكم بامره في البلاد” …

في ذات التمشي والسياق يتفق المتابعون للشان السياسي التونسي على ان رئيس الحكومة يوسف الشاهد ما كان ليقدم على التحوير الوزاري “الطفيف” على الصيغة التي تم بها لو لم يتلق الضوء الاخضر في ذلك من قصر قرطاج , بل يرجح البعض ان الحسم صدرمن هناك اصلا وان وراءه بصمات حنكة وتجربة سياسية طويلة يشار الى صاحبها بالبنان .عند هذا الحد ينكشف ان مركز القرار الرئاسي في قصر قرطاج هو قطب الرحى في لحظة الحكم اليوم خاصة ازاء” العلاقة الابوية السياسية ” التي تربط الباجي قائد السبسي برئيس الحكومة الشاب يوسف الشاهد . بقي لا بد من الاشارة الى ان الاريحية وهامش الحركة الكبير الذي يتوفر للشيخ الرئيس الباجي قائد السبسي اليوم ما كان ليكون لولا دعم ملحوظ يلقاه من شيخ اخر ذي ثقل اكيد هو زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بمقتضى اكراهات لحظة سياسية وطنية وجيواستراتيجية اقليمية واعتبارات ومصالح قوى نفوذ عالمية يبدو من غير الواقعية الغاء دورها وثقلها المباشر اوغير المباشر في منظومة المؤثرين على الحكم في تونس التي وجدت نفسها احبت ذلك ام كرهت ضمن عناصر تشكيل مشهد اقليمي بحسابات تتجاوز رقعة خريطتها الجغرافية…. وبعد هذا , هكذا تتشكل في راينا صورة توليفة الحكم في تونس الجديدة, عناصر وقوى مؤثرة كثيرة في ظاهر الصورة بمفرداتها الرسمية وفي ما خفي منها تحت الطاولة , على نحو مركب متعدد الاقطاب يكثف جدليتها الرئيس الباجي قائد السبسي .. وما توفيقه في ذلك الا في مدى قدرته على الموازنة الدقيقة بين مصالحها المتضاربة في كثير من الاحيان ,مستعينا ب”ثقله التاريخي” وسرعة البديهة مع روح الدعابة التي تخفف كثيرا من ثقل الاجواء السياسية في بعض الاحيان.

 

رياض بن عامر

عن الإخبارية التونسية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى