رأي

المحاماة التونسية من الاستعمار إلى الثورة

     120 سنة تمر على نشأة المحاماة التونسية وكانت فرنسا اعترفت بصفة رسمية بالمحاماة التونسية سنة 1887، وخاضت هيئة محاميي البلاد التونسية نضالات في جانب منها من أجل استقلالية المهنة وقد سجل عدد المرسّمين بهيئة المحامين تراجعا خلال السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، وقد تراجع العدد من 400 إلى 277 سنة 1963 مقارنة بسنة 1962 بسبب مغادرة محامين فرنسيين وتونسيين يهود البلاد.

ومارس النظام البورقيبي سياسة قمعية على المحاماة دفع ثمنها بعض المحامين على غرار الشاذلي الخلادي وتوفيق بن الشيخ ولكن قبضة السلطة على هيئة المحامين تراجعت في بداية سبعينيات القرن الماضي.

 المحاماة بين ماضيها المشرف وحاضرها الضبابي:

سألنا محاميا قضى أربعة عقود أو أكثر في مهنة المحاماة وتحدث الينا عن هذه المهنة مخيرا عدم ذكر اسمه وقال إنه على مدى التاريخ كانت المحاماة قلعة نضال ومنبرا للحرية وكانت تكافح ضد الاستعمار حتى من كانوا من أصول أجنبية على غرار “موريس نيزار” وكان المحامي في الماضي يعمل جاهدا مخلصا في سبيل الوصول إلى الحقيقة دون أن يكون أجره مدفوعا لأن الإطلاع الواسع وحب المعرفة كان همه الوحيد.

سكت محدثنا قليلا ليعود بذكرياته الى ما يزيد عن خمسين عاما وقال في بداية خمسينات القرن الماضي ربطتني علاقة بشابين ساعدهما الحظ على التمرين لدى محاميين شهيرين في ذلك الزمان يعرضان خدماتهما على محام قديم ليمكنهما من ملف إحدى قضاياه العصيبة يسرعان بها الى مكتبة العطارين المكتبة الوطنية يومئذ للبحث بين أهم المراجع القانونية وإعداد مذكرة دفاع شرسة لأن المحاماة كانت فنا وعشقا.

يحمل المخيال الشعبي للمحامي صورة القدوة والصدق والمحبة بينه وبين زملائه وبين القضاة وقد كانت في السابق تسود علاقة صفاء حيث ساعد العدد المحدود للمحامين على إعطاء صورة رائعة وذلك عن هيئاتهم على معرفة سيرة ومستوى كل واحد من منتسبيها ففرض النظام والحفاظ على شرف المهنة.

وفي غفلة من الزمن لم تبق شهادة الكفاءة مدخلا وحيدا للمحاماة بل فتح الباب أمام الآلاف من حاملي الشهادات المعمقة أو شهادة دكتورا المرحلة الثالثة كما يحلو للبعض تسميتها.

 هيئات عاجزة:

قال محدثنا إن فساد نظام الحكم السابق ساعد الكثيرين على الاصطفاف حوله فاستأثر شركاء الفساد وفق تعبيره بقضايا الدولة ومؤسساتها وأصبحت الهيئات المتعاقبة عاجزة في ظل نظام فاسد عن وقف ظاهرة الإشهار “الرخيص” من منابر الإعلام المرئي والمسموع.

كما عجزت الهيئات عن مقاومة ظاهرة السمسرة المستشرية والتي انخرط فيها عدة أطراف فغرق البعض في الثراء الفاسد وفق محدثنا وغرق آخرون في الفقر والحرمان.

وعرج محدثنا الى الحديث عن القرارات التأديبية القليلة في شطب بعض المحامين في الحالات الخطيرة وهي قرارات يتم نقضها من دائرة الاستئناف فظل الحبل على الغارب.

محاماة بعد الثورة:

وأما فيما يتعلق بمحاماة بعد الثورة فقال إنه بعد رحيل النظام السابق وصدور المرسوم المنظم لمهنة المحاماة وما حققه من مكاسب لا يمكن جحودها من بينها تشكيل محكمة استئناف قرارات التأديب من محامين يرأسهما قاض وهو إجراء كان ايجابيا في الكثير من الحالات ودون ذلك في بعضها.

وبعض الهيئات الوطنية السابقة تظاهرت بمقاومة الظاهرة ولكن الحسابات الانتخابية أغرقتها في وعود لا وفاء منها وفق محدثنا ويبقى الأمل يحدو هذا المحامي المحنّك الذي أكد لنا أن الأمل معقود على الهيئة الوطنية الراهنة فبعض البوادر بدأت تباشرها بالفروع الجهوية على غرار ايقاف خمسة محامين في القيروان وأخرى في جندوبة ولعل أول الغيث قطر.

ويأمل محدثنا أن يكون للمحاماة التونسية ميثاق شرف كميثاق نقابة المحامين في أمريكا ونصه “وظيفة المحامي لا تسمح له في مصلحة أي موكل أن يحرّف القوانين أو يتلاعب بها وعليه أن يصغي لصوت ضميره لا لصوت ضمير موكله وأن يرفض الدفاع في أية قضية مدنية اعتقد أن الغرض منها مضايقة الآخر أو الإضرار به أو ظلمه”.

مفيدة القيزاني

عن الصباح، العدد 21736، بتاريخ 24 فيفري 2017، ص7.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى