تحاليل

المحاماة التونسية في 120 سنة… مكاسب… نقائص… وتجاذبات

 

       حقبة طويلة وعقود من الزمن مرت على نشأة قطاع المحاماة التي أطفأت أمس شمعتها الـ 120 وأصبح اليوم المحامي يتبوأ مكانة هامة ويلعب دورا رياديا في مسار الدولة.

120 سنة حافلة بالانجازات والتحركات و”النضالات” التي توّجت بحصول المحاماة على جائزة نوبل للسلام سنة 2015 والتي جاءت كتتويج لسنوات من القمع والاضطهاد عاشها المحامون طوال فترة النظام “البورقيبي” ونظام “بن علي” وكانت الثورة متنفسا للمحامين وكانت أول صرخة “تاريخية ” حال سقوط نظام بن علي أطلقها المحامي عبد الناصر العويني الذي خرج في شارع الحبيب بورقيبة وهو يردد مقولته الشهيرة “بن علي هرب” ليعكس “كبت” سنوات من الصمت والظلم  والقهر.. مرت 120 سنة فقدت خلالها المحاماة جملة من خيرة محامييها و”مناضليها” وهم شكري بلعيد الذي مات غدرا اثر أول اغتيال سياسي بعد الثورة بالإضافة إلى وفاة المحاميين البارزين فوزي بن مراد ومصطفى الصخري اللذين مثل كل واحد منهم “صرحا” في ميدانه ومثل فقدانهم خسارة كبرى للمحاماة.

وقد قارب عدد المحامين اليوم 9526 محاميا منهم 8418 مباشرين و1108 غير مباشرين بحسب الإحصائيات الأخيرة للتقرير الأدبي الصادر في شهر جوان 2016 موزعين على 15 فرعا جهويا وقد تداول على هيئة المحامين 20 عميدا خلال 59 سنة من سنة 1958 إلى 2017 من أبرزهم الأزهر القروي الشابي وعبد الوهاب الباهي وعبد الجليل بوراوي والبشير الصيد وعبد الستار بن موسى وعبد الرزاق الكيلاني وشوقي الطبيب ومحمد الفاضل محفوظ والعميد الحالي عامر المحرزي.

مرت 120 سنة فهل انتصرت المحاماة اليوم لمبادئها؟ وهل حققت أهدافها؟

 مكاسب الثورة:

ذكر الأستاذ عدنان البديوي لـ “الصباح” أن المحاماة التونسية حققت عديد المكاسب بعد الثورة وكان أول مكسب لها “مرسوم 2011” المنظم لمهنة المحاماة حيث وقع تنقيح قانون سنة 1989 وقد حمل هذا المرسوم تحسينات وأعاد الاعتبار للمهنة حيث وسع في مجال تدخل المحامي وحد من ظاهرة “السمسرة”، ومن المكاسب كذلك أن وزير العدل سابقا نور الدين البحيري قام بعزل عدد مهم من القضاة ولكن في الأخير المحكمة الإدارية قضت بإلغاء هذا القرار وأعادت إدماج هؤلاء القضاة حيث التحقوا بمهنة المحاماة ووقع ترسيمهم بجدول المحاماة .

  ومن الايجابيات كذلك التي ذكرها البديوي التنقيح الأخير لمجلة الإجراءات الجزائية الذي تم خلال شهر فيفري 2016 ومكن المحامي من الحضور لدى باحث البداية ومن أبرز ما ميز فترة ما بعد الثورة “إننا نفذنا إضرابا ضد قانون المالية 2017 والذي كان “مذبحة” لمهنة المحاماة” وقد أدى هذا الإضراب إلى التراجع عن عديد الفصول التي ضيقت على مردود المحامي والتي كان فيها نوع من الانتقام من المهنة وما تحقق اثر ذلك كان ايجابيا حيث أصبح دور المحامي ومجال تدخله أوسع  باعتباره أصبح محترما وله حصانة أفضل وأصبح في مرتبة يستطيع فيها ممارسة دوره بكل أريحية في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان وجميع المجالات التي تهم الرأي العام ويمكنه كتابة تقارير في أي مجال من دون تتبع جزائي والتعبير عن أرائه بكل حرية دون مؤاخذة جزائية والمؤاخذة الوحيدة هي تأديبية .

وتحسنت الأمور أكثر في الفترة الحالية مع العميد عامر المحرزي الذي مكننا من شحنة من الأمل وأصبحنا نعمل بأريحية أكثر ونقوم بواجبنا دون أي مضايقات كما كان الحال عليه في العهد البائد.

 نقائص:

وأضاف البديوي أن هذا لا يمنع من وجود عديد السلبيات التي يعاني منها قطاع المحاماة ومنها وجود نقائص عديدة  في “مرسوم 2011” خاصة فيما يخص حصانة المحامي باعتبارها غير مكتملة وخاصة فيما يخص الشكايات ضد المحامين بعد الثورة، ففي السابق كان هناك تنازع في الاختصاص بين الوكيل العام لمحكمة الاستئناف ورئيس الفرع واليوم أصبحا يتعهدان سويا بالشكايات ضد المحامين .

  انتدابات عشوائية:

 والنقطة السلبية الثانية هي قرار وزير العدل سابقا الذي وقع إلغاؤه من قبل المحكمة الإدارية في خصوص القضاة الذين يقارب عددهم الثمانين قاضيا ووقع عزلهم ثم إعادتهم على اعتبار أن ملفاتهم “فارغة ” لأنهم كانوا موالين للنظام البائد الذي كان  يتغاضى عن تجاوزاتهم بل وكان يشجعهم وكل هؤلاء القضاة التحقوا بميدان المحاماة و”أغرقوا” القطاع  وما زاد الطين بلّة الانتدابات العشوائية من القضاة المتقاعدين والمعزولين  ومن محاميي “الجزائر” مما جعل مهنة المحاماة “تغرق” بعد الثورة .

أما بالنسبة لتنقيح قانون الإجراءات الجزائية فهو كذلك مكسب منقوص لأن  المحامي لا يمكنه الحضور لدى النيابة العمومية  ولدى وكيل الجمهورية ليترافع أمامه ويحاول طلب الإفراج فحضوره مع منوبه يقتصر على باحث البداية حتى لا يقع تعذيب موكله فحسب فاختصاصه ضعيف وهزيل ومنقوص وليس هذا ما نرغب فيه لذلك نطالب بإعادة تنقيح بعض الفصول من مجلة الإجراءات الجزائية بأن يحضر المحامي لدى وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية لأنه بعدم حضوره يعتبر التنقيح عشوائيا ومنقوصا وعليلا لذلك لا بد من إعادة مراجعته .

 فضيحة “بنما”:

وأشار البديوي إلى  وثائق “بنما” باعتبارها شملت محامين لم تقع مؤاخذتهم ولا تتبعهم رغم أنهم يبيضون الأموال-حسب قوله – وهو ما اعتبره عارا و”فضيحة “للمحامين أن  يتورط زملاءهم في مثل هذه الجرائم البشعة باعتبار أن قانون تبييض الأموال مثله مثل قانون الإرهاب  فهناك محامين موجودين في وثائق “بنما” ويتحيلون ويتحوزون- حسب قوله- بأموال هامة يقومون باستغلالها عالميا كما كونوا ثروات هائلة وهناك محامون كذلك كانوا يتعاملون مع “الطرابلسية “لم يقع تتبعهم جزائيا وهم محامين معروفين قاموا ببيع “الآثار” وحرروا عقود بيعها  رغم انها تمثل ثروة البلاد كما ساهموا في تبييض الأموال وتمكنوا باعتماد حلول قانونية من التهرب من التتبعات الجزائية وهم شركاء في الجريمة  مما يبعث على الخجل، وأكد البديوي ان اضراب المحاماة احتجاجا على قانون الجباية أعطى نتائج منقوصة والحكومة لم تتجاوب “وبقينا في صدام معها وعقدنا عديد المؤتمرات والندوات للتحسيس بمقاصد تشريك المحامين في كل هذا خاصة في خصوص قانون المالية “، فهناك العديد من المحامين الذين طلبوا بعد الثورة اللجوء السياسي وهناك من توجهوا الى كندا نتيجة التعب والإرهاق باعتبارهم يخوضون نضالا كبيرا .

ولاحظ البديوي وجود محامين تقلدوا مناصب في الحكومة والوزارات وكذلك دخلوا البرلمان واعتبر أن من حقهم ممارسة ذلك ويمكن أن يكونوا أجدر من أطراف أخرى أو قطاعات أخرى باعتبار أن المحامي متمكنا من العلوم القانونية والحقوقية مما يخول له تقلد مناصب في الحكومة  ولكن و”للأسف عديد المحامين الذين تقلدوا هذه المناصب سببوا لنا خيبة أمل كبرى” فهناك محام كان وزيرا للعدل ذكر مؤخرا في إحدى تصريحاته انه “يجب التغاضي عن التتبعات والمحاسبة  خاصة للإرهابيين العائدين من بؤر التوتر  “وعفا الله عما سلف” وهو ما اعتبره كلاما غير مسؤول لذلك يجب الفصل بين مهنته كمحام ومهنته كسياسي كما أن مهمته كسياسي لا تمنع عنه التتبع بل يجب تتبعه ومحاسبته كرجل سياسة ولا يجب خلط الأمور  فمثلا عندما تحدثت سامية عبو عن الفساد فهي تحدثت بطريقة محايدة  نابعة من رغبتها في محاربة الفساد ولكن  أكد البديويي انه “لدينا عديد المحامين الفاسدين وكذلك هناك عديد المحامين الشرفاء”.

 محامو “التجمع “:

 وللإشارة فهناك عديد المحامين التجمعيين كانوا يتعاملون مع البنوك ومع شركات التأمين بدعم من المخلوع الذي كان يجازيهم مقابل خدماتهم ومازالوا يواصلون نشاطهم مع نفس شركات التأمين والمؤسسات المالية والضمان الاجتماعي وغيرها من المؤسسات المالية العمومية ومازالت ظاهرة الرشوة والمحاباة متواصلة وفي هذه الحالة فان الثورة غير مكتملة  وهناك العديد من المحامين يضرون اقتصاد البلاد  ومازالوا ينشطون باسم “التجمع “وهذا ما أدى إلى “هروب ” المحامين من تونس باعتبار المنافسة غير الشريفة من قبل هؤلاء .

 يوم وطني لـ “الصلح”  :

من جهته ذكر عميد عدول الإشهاد الناصر العوني لـ “الصباح” ان المحاماة صرح كبير رغم التداخل والتجاذب بين عدول الإشهاد وبينهم باعتبار انه كان يجب أن يكون هناك فصل بين مختلف هذه القطاعات ولكن للأسف القوانين هي التي خلقت التداخل والخرق الموجود حاليا بين المحامين وعدول التنفيذ والإشهاد والقضاة والخبراء المحاسبين.

 واعتبر أن المشرع هو المسؤول عن هذا التداخل باعتباره لم يمكن كل قطاع من اختصاصه لتجنب الوقوع في الإشكال الموجود حاليا ولكن قوانيننا وتشريعاتنا “بالية ” ومتداخلة وهذا نتيجة سياسة أرساها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان في الأصل محاميا وهو السبب-على حد تعبيره –  في هذه الإشكاليات  فمثلا الكتب الخطي أقرته فرنسا وليس بورقيبة لأن عدول الإشهاد في عهد الاستعمار رفضوا كتابة العقود للفرنسيين باعتبارهم مستعمرين لتونس لذلك قام هؤلاء بسن الكتب الخطي للسيطرة على قطاع الأراضي الشاسعة .

وأكد العوني أن الحوار هو الحل لحل جل هذه الإشكاليات  سواء كمشرع أو كقطاعات لتحديد الاختصاصات من أجل مصلحة البلاد  ويجب تحديد مجال اختصاص المحامين لكي لا يتداخلوا مع قطاعات أخرى فهم يحاولون الدخول في اختصاصات ليست من مشمولاتهم و”نحن ليس لنا أي مشكلة” ولكن التداخل يولد نوعا من الحساسيات والمنافسة التي تكون في بعض الحالات غير شريفة  لذلك ندعو إلى إعلان يوم وطني تجتمع فيه جل القطاعات نحاول من خلاله حل هذه الإشكالية  وتحديد الاختصاصات وتنظيم جل الهياكل.

من جهته أكد الطاهر بن نصر عميد عدول التنفيذ لـ “لصباح” أن المحاماة كقطاع له مكانته و”علاقتنا مع المحامين جيدة كما نحترم دورهم الوطني”  والمحاماة مرت بمراحل تاريخية كبرى  وتداولوا على تسيير الهيئة شخصيات كبرى ومناضلة أما بالنسبة للتجاوزات فهي تقع في كل القطاعات وتبقى مسائل استثنائية  سيما وان المحامين حصلوا على جائزة نوبل للسلام وهذا شرف لبلادنا .

 تجاذبات:

القاضي عمر الوسلاتي أكد لـ”الصباح”  وجود عديد التجاذبات بعد الثورة والخلافات بين المحامين والقضاة والتي كان من المفروض حلها وهناك مقترحات لتطوير العلاقة بين المحاماة والقضاء كشريكين للعدالة  فالمحاماة مهنة مناضلة ولكن لا يجب أن تنسى دورها في المساهمة في تطوير القضاء، وأضاف الوسلاتي أن المحاماة لعبت دورا مهما في تاريخ تونس قبل وبعد الثورة وقدمت الشهيد شكري بلعيد الذي يعتبر شهيد الحركة السياسية وكذلك شهيد المحاماة التي طبعت الواقع السياسي التونسي بطابع آخر مميز حيث تواجد المحامون في الساحات والمظاهرات أمام وزارة الداخلية خلال الثورة وقادوا حركات احتجاجية ضد النظام الديكتاتوري في مختلف جهات الجمهورية.

 فالمحاماة كانت تنير التحرر الوطني ككل لإيمان ثلة من المحامين بقيم الديمقراطية وسيادة القانون والحرية  بقطع النظر على الخلافات القطاعية التي طغت بعد الثورة ولكن هناك علاقة وطيدة مبنية على احترام القانون والاحترام المتبادل ولكن هذا ضعف بعد الثورة وتمثل احتفالات المحاماة التونسية فرصة لإعادة النظر وبناء الثقة بين شريكي العدالة فالمحاماة بحكم الدستور أصبحت شريكا في العدالة .

وأكد الوسلاتي انه لابد على هياكل المهنة اليوم ان تعيد النظر وان تلعب دورا بارزا في تطوير القضاء ومرفق العدالة بشكل عام  باعتبار ان دورها  كان ضعيفا في فترة ما في إصلاح العدالة  وفي المطالبة بإصلاح القضاء بصفة عامة وكأنها انساقت وراء “المطلبية” لتحقيق بعض المكاسب العالقة منذ زمن وبالتالي “يجب أن نفكر اليوم معا كيف يمكن تطوير هذه العلاقة التي عرفت شيئا من الفتور والتوتر وأثر هذا على نظرة الناس للعدالة ككل”، وأضاف ان “المطلبية” و”القطاعية” لا يجب ان تكون طاغية في العلاقة بين الطرفين فالعلاقات يجب ان تكون متماثلة في الأدوار فالمحاماة يجب ان ترفع شعار تطوير القضاء  ومساعدته على ان يكون مستقلا بدعم بارز وبعناوين بارزة فلا يجب ان تنغلق المحاماة على حالها وتحاول أن تسير أمورها الداخلية وتهمل القضاء وحبذا لو كان هناك جذع مشترك في التكوين مثلا أن يدرس المحامون والقضاة مع بعضهم البعض في السنة الأولى ويتلقون مبادئ استقلال القضاء ويتدربون عليها ويفهمون ادوار بعضهم البعض فلا يجب أن يضعف المحامي القاضي بل يجب أن يكون مصدر قوة له  فدور المحاماة ريادي كما ان لها دورا اجتماعيا وحقوقيا بارزا وهذا لا يجب  أن يغطي عديد النقائص في علاقة ببقية المهن وبالتالي يجب ان يكون لها دور أكبر في تطوير المنظومة القضائية من أجل خدمة العدالة .

فاطمة الجلاصي

عن الصباح، العدد 21736 ، بتاريخ 24 فيفري 2017،ص7.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى