رأي

هل تتجه تونس نحو تعويم الدينار؟

 

مازال الدينار التونسي  يشكو ضعفا فادحا وانهيارات متتالية في سوق صرف العملات خاصة أمام العملات  الصعبة الرئيسية مثل الدولار الامريكي واليورو العملة الأوربية الموحدة ورغم هذا الوضع الخطير للعملة المحلية وانعكاسه السيء على توازنات الاقتصاد الوطني لم يتخذ  أصحاب القرار  أي إجراءات جدية لإنقاذ الدينار ووقف تسارع انهياره المتوالي.

إن المتابع  لتاريخ سعر صرف الدينار مقارنة بالدولار الامريكي مثلا  يجد أنه في موفي سنة 2010   كان  الدولار يساوي 1,4379 دينار في سوق صرف العملات بين البنوك  ثم  أصبح يساوي 2,281 دينار في موفي سنة 2016 أي أن الانهيار مقابل الدولار  يقدر بحوالي 59% وهذا انهيار فضيع  ويتحرك  بوتيرة متسارعة ومؤذن بالخراب المالي والنقدي  إن لم يتم وقف النزيف.

ليس  جديدا  أن أذكر بعوامل  تقهقر الدينار التونسي  أمام العملات الاجنبية فالي جانب عامل خارجي يرتبط  بقوة الاقتصاد الامريكي وبزيادة سعر الفائدة للخزانة الامريكية والذي أدى لصعود صاروخي للدولار أمام أغلب العملات الاجنبية  ( عامل خارجي ) فان تقهقر الصادرات في تونس  و أزمة القطاع السياحي و توقف إنتاج الفوسفاط  الذي كان يوفر مداخيل هامة من العملة الصعبة  ( عامل محلي )  من أهم أسباب  عجز التوازنات المالية والاقتصادية الكبرى لتونس   والتي تؤدي رأسا لضعف قيمة العملة المحلية   فالعملة هي دائما انعكاس  لحالة  الاقتصاد    فإذا مرض الاقتصاد مرضت العملة وإذا تعافى الاقتصاد تتعافى معها العملة.

إن السياسة  المتبعة حاليا بالالتجاء للقروض الخارجية  لسد العجز  ليست هي الحل الامثل  للإنقاذ الاقتصادي و إنما هي مجرد مسكنات أو عمليات هروب للأمام   تجنبا للكوارث  وقد  أعلنت تونس أمس أنها حصلت على قرض بقيمة 850 مليون يورو من الأسواق المالية العالمية وستخصص هذا المبلــغ لتمويــل ميزانيتهـــــا لعام 2017  كما  أفادت وزارة المالية سيتم تسديده على سبع سنوات بنسبة فائدة تقدر بـ 625, 5 %    وهنا لا بد من التأكيد  أن  نسبة الفائض  مرتفعة و مشطة   وأنه مع تواصل انهيار الدينار   سيتكلف لنا أغلى بكثير من هاته النسبة  إذا أدمجنا في التكلفة الانخفاض المتوقع  لسعر صرف الدينار  أمام اليورو.

وفي هذا الوضع الاقتصادي المخيف لم يكن مفاجئا قرار تخفيض وكالة فيتش تصنيفها الائتماني لـتونس درجة من “-BB” إلى “+B” وعللت الوكالة الامريكية ذلك بتراجع السياحة في أجواء من المخاطر المرتفعة على الأمن وتباطؤ الاستثمارات مع تغييرات متكررة للحكومة وتعدد الإضرابات التي أضعفت النمو والآفاق الاقتصادية  وأن التخفيض السيادي لتونس يعكس تقهقرا  إقتصاديا و  إتباع طرق خاطئة في الانقاذ الاقتصادي.

إن أصحاب القرار الاقتصادي  في حكومة يوسف الشاهد  و المستشارين الاقتصاديين  في القصر الرئاسي لم يستوعبوا بعد خطورة الوضع الاقتصادي وضرورة  العمل على الحفاظ على قيمة العملة المحلية   وهم في سبات مريب  وعجز عن  تحمل مسؤولياتهم في إنقاذ اقتصاد البلاد  وإنقاذ العملة أحد أوجههها  حتى أن بعض الاصوات  المريبة   بدأت تتعالى وتطالب بتعويم الدينار التونسي  ( أي عدم تدخل البنك المركزي وترك الدينار يخضع كليا لقانون العرض والطلب )  و قرار  التعويم  هذا  إذا تم  إتخاذه حاليا لا قدر الله   فستكون  الضربة القاضية للدينار التونسي  لن تقل كارثية عن قرار العسكر بتعويم الجنيه المصري  الذي تحول صرفه مقابل الدولار  في وقت قياسي لحوالي 18 جنيها بعدما كان لا يتجاوز8   جنيهات مصرية  ولذلك أقول انقذوا الدينار التونسي  قبل أن يفقد ما بقي له من قيمة و قبل أن يتحول سعر صرفه إلى 3 أو 4 دنانير مقابل الدولار واليورو   خاصة بعد تفشي  السوق  الموازية  لصرف العملات الاجنبية في العتمة والاماكن المظلمة  و التي يتحكم  فيها تجار السوق السوداء  الموازية وعصابات المال المتنفذة تحت أنظار الجميع.

 

عادل السمعلي(*)

 (*)- كاتب تونسي و باحث في الصيرفة و الاقتصاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى