غير مصنف

نساء البلاستيك في تونس… الفقر يحني ظهورهن

 

لمحتها تسير في الشارع حيث مقرّ محافظة منوبة، مباشرة بعد خروج المحافظ في سيّارته رباعية الدفع مع الموكب المرافق له.

كانت هي تجرّ عربة يدوية الدفع، ربطت عليها أكياسًا ضخمة بيضاء ملأتها قوارير بلاستيكية، وعلى ظهرها كيس آخر في حجم جسدها تقريبًا تشدّه بخيط على كتفها الضامر والنحيل.

منظر هذه العجوز الستينية، الذي يحاكي مشهد نملة تجرّ قوتها، لم يكن جديدًا أو غريبًا، فهي واحدة من ضمن نساء كثيرات يعشن تحت سقف الفقر والخصاصة، يأبين عكس كثيرات أخريات مدّ أيديهن للتسوّل، مفضّلين البحث في مصبّات الفضلات، وحواف الطّرقات، وحول المساكن عن قوارير البلاستيك التي تُباع لتجار مختصّين بثمن بخس لإعادة رسكلتها.

هذه التجارة عمرها بضع سنوات؛ ظهرت بعد ظهور مصانع رسكلة البلاستيك وظهور الورشات الصغيرة التي تتولّى عملية تجزئة القوارير البلاستيكية المستعملة، بواسطة آلة متوسطة الحجم قبل بيعها إلى المصانع الكبرى.

حبيبة التي قابلها “جيل” قرب مقرّ المحافظة، تُمضي كل وقتها في جمع القوارير البلاستيكية عسى أن تحفظ كرامتها وتسدّ حاجتها لما تبقى من عمرها. فهي في هذا الصباح، ورغم أنها كانت ذاهبة لتلقّي نتائج تحليل مرض السكري الذي تمكّن منها منذ أعوام، لم تستغن عن جمع القوارير مما اضطرها إلى البحث عن مكان تخبئ فيه عربتها وأكياسها قبل الدخول إلى المستشفى، خوفًا من أن يأخذها شخص آخر، أو أن تحملها شاحنة رفع القمامة.

تجد حبيبة نفسها في تحدّ مع الواقع رغم قسوته، تحارب برودة الطقس وزخّات المطر، ووهن جسدها جرّاء آلام الساقين والظهر التي يسبّبها كثرة المشي في الشوارع المقفرة منذ اللحظات الأولى لبزوغ الشمس، فهي مجبرة على أن تسابق عمّال البلدية حتى تتمكّن من فرز القمامة قبل أن يقوموا برفعها .

محدثتنا تعيش مع زوجها المريض في غرفة تابعة لابن زوجها، لا دخل لها سوى جمع القوارير لإعالة نفسها وزوجها العاجز .

ورغم ثقل الحمل الذي تصارعه العجوز كل يوم، إلا أنها تتشبّث بزيادة ثقله عبر جمع كمية أكبر توفّر لها مقابلًا أوفر، لكن تخونها قدرتها الجسدية أحيانًا، إذ إنها لا تتمكّن في أفضل الحالات من جمع أكثر من ثلاثين كيلوغرامًا في اليوم بقيمة أربعة دولارات.

العجوز بالكاد حدثتنا عن هذه التفاصيل، فهي تخاف من أن يشكّل حديثها للصحافة مشكلة وأن تغضب عليها السلطات حسبما تردد “إني أخاف المشاكل”. محدثتنا، رغم المعاناة التي تعيشها وحجم التعب الجاثم على وجهها، تعتبر أن ذلك قدرها، فقط أن تكون عجوزًا دون تغطية اجتماعية ومتى تعجزْ عن النهوض صباحًا، تَمُتْ جوعًا، ودون حقنة البنسلين ستكون غير قادرة على إطعام نفسها وزوجها العاجز، الذي يمتلك راتب تقاعد بالكاد يسد نفقة أدويته.

تحوّلت قوارير المياه المعدنية والمشروبات الغازية، الملقاة في الشوارع وحول حاويات الفضلات المنزلية، إلى مصدر عيش بالنسبة لنساء كثيرات، لم يجدن في تونس من مصدر إغاثة سوى بقايا البلاستيك. فعلى غرار حبيبة هناك سنية ذات الـ 53 سنة، تسكن شقّة مستأجرة بحي ابن خلدون مع زوجها المُقعد وابنتها المعاقة.

سنيّة التي فقد زوجها عمله، حينما عجز عن تسديد ديونه وتمّ حجز سيارة التّاكسي التي كانت مصدر رزقه الوحيد، الأمر الذي تسبّب في إصابته بجلطة دماغية أدت إلى شلله، لم تجد هي الأخرى من مصدر إعالة لهذه العائلة العاجزة سوى أن تُمشّط الشوارع لتجمع القوارير البلاستيكية وتبيعها مقابل 0.12 دولار للكيلوغرام الواحد.

ورغم صعوبة الأمر عليها في البداية، لأنها لم تكن تشتغل قبل ذلك، ورغم أنها ستعرّض نفسها إلى سخرية البعض ممن يعتبرون هؤلاء النساء جامعات قمامة، لم تجد من مخرج لأزمتها سوى أن تحني ظهرها لالتقاط القوارير عساها تحمي عائلتها من أنياب الفقر والجوع ما دام في جسدها طاقة.

المرأة التونسية مطالبة بتوفير كل شيء؛ خدمة أفراد عائلتها في المنزل والعمل خارجًا لإطعامهم وتوفير مبلغ إيجار المنزل.

يبدأ نهارها من الخامسة صباحًا كما أنها لا يجب أن تغيب عن البيت كثيرًا، حتى تستطيع تلبية حاجات زوجها وابنتها. امرأة تتمزّق بين ثلاثية الفقر والمرض ونظرة الناس لها في الشارع، التي تعيّرها ولا تجد طريقة لتحاشيها.

بعض الناس يتعاطفون مع هؤلاء النساء المسحوقات، دون جرح كبريائهن، حيث أن سكّان بعض الأحياء صاروا يضعون قوارير المياه المعدنية والمشروبات الغازية في أكياس خاصة يمنحونها لهؤلاء النساء في حركة تضامنية، وهي أقلّ ما يمكن أن يقدم لهم، حيث أنه في إحدى العمارات السكنية بجهة خزندار التابعة للعاصمة تونس، دأب عدد من السكّان على هذه العادة، حيث يقومون بجمع القوارير لتُعطى إلى منوبية (امرأة تجاوزت الخمسين بسنة)، تنحدر من الشمال الغربي وتسكن حاليًا بمنطقة العقبة.

بدأت منوبية في هذا العمل منذ ثلاث سنوات، عندما تعرّض زوجها وعائلها الوحيد إلى حادث سير تسبّب في كسر حادٍّ على مستوى الحوض، أقعده في المنزل، ولم يعد قادرًا على المشي أو العمل نظرًا لأنه كان عاملًا في حضائر البناء.

محدثتنا تروي معاناتها اليومية بكل جلد وصبر، فهي أم لأربعة أطفال كبيرهم في الخامسة عشرة من عمره يدرس بالمرحلة الإعدادية، وصغيرتهم طفلة في الثامنة من العمر تدرس بالمرحلة الابتدائية.

منوبية تنطلق منذ الساعات الأولى للصباح الباكر في دفع عربتها، من حي العقبة حتى حي باردو، في سبيل توفير لقمة العيش لعائلتها والدواء لزوجها المقعد. ولم يكن لها من خيار لها غير القوارير نظرًا لتقدم سنّها وهشاشة سوق الشغل.

تحتل تونس المرتبة الثالثة في استهلاك المياه المعدنية بعد الولايات المتحدة وكندا، ورغم أن البعض يستغرب هذه النسبة المرتفعة تتمنّى نساء يقتتن على قوارير هذه المياه أن تمطر السماء قوارير بلاستيكية، طالما أنه لم يتبقّ لهن في البلاد والحياة من مصدر للعيش سوى تجميعها.

 

عيسى زيادية

المصدر:العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى