تحاليل

السلطة المحلية ضامنا من ضمانات القطع مع الدكتاتورية : قراءة في باب السلطة المحلية في الدستور التونسي

نادت الثورة التونسية في أول أيامها بمجلس تأسيسي و كان الأمر مطلب النخبة السياسية جمعاء لأهمية القطع مع ممارسات الماضي و بناء أسس تعاقدية جديدة بين الحاكم و المحكوم. و بالنظر إلى التجربة المريرة التي عاشتها تونس من تفاوت جهوي انعكس على مستويات الحياة و بالتالي على البعد الاجتماعي و الثقافي لبعض المناطق دون غيرها.

نادت جمعيات المجتمع المدني و كبرى المنظمات الدولية بالإبتعاد قد الإمكان عن مركزة الجهد الحكومي و التوجه رأسا إلى تحميل الجهات مسؤولياتها من خلال تكريس مبدأ الحكومة الرشيدة و الامركزية متمثلة في الحكم المحلي في فصول الدستور أعلى هرم القوانين المنظمة للشأن العام في البلاد. نظم دستور الجمهورية باب السلطة المحلية في 11 فصلا استهلها بمأسسة السلطة المحلية من خلال إحلالها في مبدأ اللامركزية الذي تُصاغ وفقه « جماعات محلية تتكون من بلديات و جهات و أقاليم,يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية » نحن إذا أمام مفاهيم جديدة و جدرة بالنظر :

1- بلديات

2- جهات

3- أقاليم

و ترك المشرع التقسيم إلى قانون ينظبط في الإبان, و هو ما قد يطرح جدلا خاصة في ظل ما تشهده البلاد من محاولات تقسيم من بعض السياسيين في معرض تقنين طريقة تصعيد الجماعات المحلية أقر الدستور مبدأ الإنتخاب و ضمنه نقطة ثورية هي أن القانون الإنتخابي يضمن « تمثيلية الشباب في المجالس المنتخبة » و هي نقطة مهمة لكن الأهم منها هو التساؤل الذي يطرحه البعض حول نوعية الشباب المستعد لمثل هذه التجارب و المؤهل لها.

أما في باب الصلاحيات فقد حاول المشرع الضبط بما لا يترك مجالا لتنازع السلطات و عمل على توزيع  » الصلاحيات المشتركة و الصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع » وهو أمر نعتقد انه سيكون صعب التنزيل خاصة في ظل تقاليد الإدارة التونسية المتأثرة بنظيرتها الفرنسية التي لا تعتبر أفضل مثال للإحتذاء .

و حيث لم تخل الجماعات المحلية من أبواب فساد مالي أقر الدستور بتحديد النظام المالي للجماعات المحلية بمقتضى قانون وهنا تبرز المشكلة ذاتها التي برزت في نقاط سابقة و هي التنزيل العملي للقانون و إمكانية تعطيله في المجلس النيابي خاصة في ظل اختلال التوازن بين الجهات و هي نقطة عمل المشرع على تلافيها من خلال تكفل السلطة المركزية بتوفير موارد إضافية للجماعات المحلية الواقعة في المناطق الأقل حظا « تكريسا لمبدأ التضامن و باعتماد آلية التسوية و التعديل »

بما يحقق الاستقلالية المالية و يترك للجماعات المحلية « حرية التصرف في مواردها حسب قواعد الحوكمة الرشيدة و حيث أن التوزيع العادل للثروة هدف من أهداف الثورة فقد عمل المشرع المؤسس على تضمين ذلك في الدستور من خلال إمكانية تخصيص نسبة من مداخيل بعض الجماعات المحلية المتأتية من استغلال الثورات الطبيعية التي قد تكون متواجدة داخل إقليمها الراجع بالنظر للنهوض بالتنمية في بعدها الجهوي بما يحقق أكبر قد من التوازن بين الجهات

كما لم يغفل الدستور عن إخضاع عمل الجماعات المحلية بمختلف أشكالها للرقابة سواء من جهة الشرعية و المطابقة للقوانين او من جهة الرقابة المالية عبر مختلف الآليات المعتمدة و في نفس إطار المراقبة أقر الدستور للمجتمع المدني سلطة من خلال الفصل 139 الذي ورد فيه  » تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية و مبادئ الحوكمة المفتوحة,لضمان إسهام أوسع للمواطنين و المجتمع المدني في اعداد برامج التنمية و التهيئة الترابية و متابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون » من خلال هذا الفصل نستشف الرقابة و السلطة التقديرية التي أقرها المشرع للمجتمع المدني بما يحقق أكبر قدر من التوازن بين السلطة (في بعدها المحلي و الجهوي) و المجتمع المدني بوصفه الجهة المعدلة.

في نفس الإطار أقر الدستور للجماعات المحلية التعاون فيما بينها أو بينها و بين نظيراتها الأجنبية بما يحقق المنفعة و خاصة بما يجعل من حرية المبادرة و سرعة اتخاذ القرار و تخطي الإجراءات الروتينية أمرا ممكنا و في نهاية الفصل المخصص للحكم المحلي أي الفصل قبل الأخير رقم 141 أقر المجلس الوطني التأسيسي بفصل يعتبره البعض ثوريا لتكوينه للمجلس الأعلى للجماعات المحلية وهو « هيكل تمثيلي لمجالس الجماعات المحلية مقره خارج العاصمة » وهو « ينظر في المسائل المتعلقة بالتنمية و التوازن بين الجهات و يبدي الرأي في مشاريع القوانين المتعلقة بالتخطيط و الميزانية و المالية المحلية و يمكن دعوة رئيسه لحضور مداولات مجلس نواب الشعب ».

كما أقر الدستور الجديد بالقضاء الإداري فيصلا فيما قد ينشأ بين الجماعات المحلية من خلافات أو بينها و بين السلطة المركزية بالنظر فيما استعرضناه من فصول يمكن الإقرار بيسر أن ثورة حصلت على مستوى التشريعي خاصة ما أوردناه في الفصل141 غير أن المعوًل يبقى على مدى تطبيق السلطة القادمة لروح هذا القانون و العمل على مراكمة التجارب بما يضمن أكبر قدر من الإفادة فهل تكون الجمعيات المدنية و قوى الضغط المجتمعية هي الرافعة الحقيقية للعمل المحلي الامركزي؟ و هل تكون انطلاقة الاقتصاد الصاعد الذي يتحدث عنه الجميع الأقطاب الجهوية ؟ كل هذه الأسئلة و غيرها مما ستجيب عنه الانتخابات البلدية التي ستلي الرئاسية و تركز نهائيا السلطة المحلية.

 بشير الجويني

المصدر: موقع الشؤون البلدية في تونس 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى