رأي

قبل أن يولد أنيس العامري

      
       أية نهاية ذهب إليها الشاب أنيس عامري، في مقتبل العمر مشردًا تائهًا منذ عام ونصف العام، يبحث عن إقامة في “الغرب الكافر”؟

ثمّة ما أعرفه شخصيا عن هؤلاء الشباب العرب الذين جالست بعضهم في حي مولنبيك في بروسكل. بعضهم ولد فيه ولم ير غيره من الطفولة حتى المراهقة. وبعضهم جاء إليه في زمن الهجرة. لم يكن مفاجئا لي، ولا أظنه لغيري، ذلك الغضب الذي يعيشه شباب ضواحي يعيشون منذ المراهقة جدل وأزمة الهوية.

كل ذلك يحدث قبل أن يكون لـ”الخليفة” جنوده وجيشه وخلاياه، على ما تذهب صحافة، ومحللو الاستشراق، في غياب جدي لصحافة وسيوسولوجيين عرب عن الظاهرة.

السؤال الذي يتكرر كلما عدنا إلى أصل الحكاية:” لماذا كان لدينا قوارب الموت قبل الربيع العربي؟” تبحر نحو الشاطئ الآخر؟

ثم جاءت رشقا أجوبة استشراقية استعلائية تركز في أغلبها على رواية ما “نستحق” من أنظمة… الـ”دي أن إيه” وكل موروثاتنا العربية. ويا للمفارقة حتى عند بعض العرب الذين هم محسوبون علينا، صار “التقليد” مرجعا.

كل إشارة إلى أن “الثورات العربية” هي السبب في تشريد السوري والمصري والجزائري والتونسي والمغربي، هي إشارات أقل ما يقال عنها إنها “كاذبة ومزورة للوقائع والتاريخ”.

الأصل عند الناس سؤالهم عن “الاستعباد المورث” وعن “ولادتهم أحرارا”. فأية أنظمة جابهت شعوبها بمثل ما جوبهت به أجيال ترى أفقها مسدودا في ظل جنرالات يحكمون البلاد والعباد؟ بل أية علاقة قامت بين هؤلاء والغرب نفسه الذي ينظّر عن اختراع البارود: حرية وعدالة اجتماعية!

بالفطرة يبحث هؤلاء الشباب عن العدالة والحرية… لكن، وهنا لست مدافعًا عن فعل شنيع البتة. نحن أمام أجيال صنعتها عقلية حكم مافيا “الجمهوملكيات” التوريثية العسكرية التي يبتسم لها الغرب بقدر ما تشتري منه خردته العسكرية وتشتغل لديه كلاب تقفي أثر في معركة إخضاع الأجيال لواقعها…

لذا، لم يكن غريبًا البتة أن يروا سفاحًا يفتعل المذبحة ويهجر شعبًا بأكمله، ثم يتململون بحجة “الإرهاب والأمن”… كان يمكن قطع دابر كل الذي جرى بالتوقف مرة واحدة عن لعبة النفاق، ولو من باب المصلحة…

مثقفوا آخر أزمنة الثورات المضادة كانوا سعداء حين تمدد داعش وضرب الجيش الحر، حتى إن قنواتهم كانت تهلل لتقدم ذلك التنظيم… وكله مثبت بالتاريخ والصورة والصوت…الآن، سيقول قائل وما علاقة أنيس بكل هذا؟

بظنّي أنه السؤال الجوهري في كل الذي جرى تاريخياً من اختلال العلاقة والتوازن قبل أن يولد هذا الشاب التونسي… فما الذي يجعل شبابًا من شمال إفريقيا ومصر، وفي حادثة رشيد، يبحرون ويسيرون جنبا إلى جنب مع السوري كل هذه المسافات وصولاً إلى الشمال الأوروبي؟

حتى أربيل في كردستان العراق ليست مستثناة من هذا الواقع الأليم، إذ يتدفق هؤلاء الشباب نحو الغرب…

دع عنك خزعبلات التبني الداعشي لكل فعلٍ مهما بدا مسخِّفاً حتى للإسلام… مثل تبني مقتل شرطي في كوبنهاغن على يد تاجر حشيشة ومتعاط وسارق… بالتأكيد يهتم اليمين المتطرف بهذه الصورة الوقحة عن إسلام غير الذي يريد “الجنرالات” وممثلوهم تجديده في حضرة شيوخ أمثال جمعة وحسون في “اضرب بالميلن… اقتلهم… دمرهم…”

دع عنك كل هذا ولنعد إلى أصل وجذر ما وصلنا إليه من صورة قبيحة مشوهة في جانب، وغنوجة ومائعة في الآخر، عند من ذكرت في الجملة السابقة في “إسلام بشار والسيسي”.

حين يرى الشاب العربي أبيه يكدح من الفجر إلى نومه بارتشاف كأس الشاي دون أن يستطيع تأمين بعض الحليب في دوامة كذبة “احنا 90 مليون… حجيبلكم من فين؟”، ويرى مؤسساته التعليمية بهذا الشكل الذي هي عليه، ورؤساء لا ينزلون عن الكرسي حتى حين يصابون بالألزهايمر والعجز الكلي… ويطلب من خريج الجامعة أن يشتغل سائق شاحنة أو على “التوكتوك”، فأية أحلام تبقى…؟

هذا لا يبرر أي شيء… لكن العنصرية الزاحفة وبأرقام مرعبة بحق المسلمين في الغرب ليست بريئة أبدا، ولا هي بعيدة عن اكتمال الصورة… لنتذكر جيدا شباب الضواحي في فرنسا وغيرها…

نحن في ورطة حقيقية…

سؤال اليمين، والمستشرق، عن العرب يستحق التوقف عنده، ليس لأنهم حريصون علينا، بل لأنه سؤالنا العربي الدائم…

لماذا يجب أن يغرق في المتوسط أكثر من 5 آلاف إنسان في هذا العام وحده، ثم يهيم شباب عرب على وجوههم مصدومين بما وعدوا به من مهربين؟

ألم يكن أفضل استراتيجياً للعرب، بدل استيراد العمالة من الهند وبنغلادش والباكستان وغيرها، وجميعهم يستحقون أن يعملوا في بلاد العرب لا خلاف أبدا على المبدأ… هو حق إنساني منصوص عليه… لكن سؤالنا المتكرر: وبدل ترك هؤلاء الشباب العربي العاطل عن العمل في جمهوريات الانقلابات المدعومة بالرز ألا يروا سوى المُرّ منه.

ألم يكن وما يزال أفضل لو أن بلاد العرب القادرة والمحتاجة ليد عاملة، أن تعرّب عمالتها في الأول ثم تنظر إلى مسألة “رخص اليد العاملة” بطريقة أخرى نرى كم هي مكلفة فيما يجري على المستوى الاستراتيجي…

حتى لا نطيل…لا يكفي أبداً أن نقول لشاب عربي في الغرب: لا تقد شاحنتك بتهور يا أخي العربي…لأنه وقبل أن يجلس خلف المقود ثمة عقل تائه… تائه بكل ما للكلمة من معنى… والسؤال سيظل لأصحاب العقول: ماذا أنتم فاعلون؟

ناصر السهلي

المصدر: العربي الجديد 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى