رأي

فضفض الجلاد فمتى تصمت النخبة البائسة ؟

 

 

طالعتنا مجلة جون أفريك في عددها الصادر أول أمس بحوار صحفي مطول مع أحد الجلادين التائبين الذي عرض شهادته بعيدا عن الاعلام التونسي أمام هيئة الحقيقة والكرامة. الحوار الحدث وهو الاول من نوعه جاء نتيجة تعب نفسي كبير عاناه جلاد الامس منذ فترة طويلة و اشتد عليه ليلة جلسة الاستماع الأولى فخرج الجرم من سردابه و أضاءت هيئة الحقيقة والكرامة حقيقة سنوات استبداد أثمرت في الأخير ثورة غضب و فرار ديكتاتور.

الرجل يلتجأ آخر الأمر الى الدعاء و طلب المغفرة من الله تعالى و يطمح في صفح المظلومين المعذبين المعلقين على هيئة الدجاج المصلي و المصفّدين عرايا و المغتصَبين و المتحرش بهنّ وبهم. الرجل يقرّ بمظلمة شهدتها تونس في أقبية التعذيب وسراديب الظلام وراح ضحيتها شباب و شابات ليسوا من اهل الاجرام ولا القتل ولا السلب بل عيبهم الوحيد انهم آمنوا بحق الاختلاف و حرية الراي واحتجوا على المعاملات الدونية للشعب آنذاك على يد سلطة قمعية.

الرجل التائب استغرب اقدامه على ما اقترفت يداه وأيدي زملائه فيما مضى بعد ان ضاع الأمل في ايجاد حجة وحيدة تستحق الذكر و تبيّن حق الديكتاتورية في القيام بكل هذه الاعمال المشينة في حق من عارضها او خالف رأيها في أي موضوع كان.

حاول المسكين أن يجد تاريخا يشرّع لهذا الكمّ الهائل من التنكيل فاستعاد حوادث فترة الاستعمار والولوج الألماني الى تونس الذي يبدو أنه كان الملهم في هذا المضمار.قال له رؤساؤه ذات يوم ان هذه الانتهاكات التي يسمونها الآخرون تعذيبا تعتبر من الأعمال العظيمة التي تحافظ على الدولة وكينونتها من الهمج و الارهاب. فما يقومون به لا يعد انحرفا ولا سادية. كانت حينئذ تصطدم انسانيتهم بهذه المؤيدات الواهية ولكنها لا تمنع حماسهم في اتمام المهمة لعدة أسباب أبرزها القوت والخوف.

يقرّ المعترف بأنّ هذا “الاستثمار في الاستبداد” تافه بل أمر فظيع حين يفكر فيه مرة أخرى. يردف الرجل التائب أيضا أنّ استخراج الاعترافات ليس الغرض الحقيقي من الاستجواب فهم يعرفون بالفعل كل شيء و يعلمون فراغ الملف من القرائن و ثبوت الجرم او الجناية ولكن شدة التنكيل تكسر كرامة المتهمين و تجعلهم أقل درجة من الحيوان فيتسارعون الى الاعتراف في نهاية المطاف حتى و ان كانوا لا يعرفون شيئا مما اتهموا به. هي اذا اعترافات قليلا ما تكون صحيحة بل خاطئة في أغلب الأحيان يقوم الجلاد بنقل جميعها الى الرؤساء لتحال إلى القاضي.

كان الحوار طويلا لتائب عذّبه الضمير فصدع بالألم و طلب الغفران ولكن نخبة الثقفوت المقرفة والتي استهانت بعمل الهيئة وثبّطت عزائم أعضادها بنشر الكذب والافتراء و تزيف الواقع و الادعاء بالباطل و التهوين مما لاقى هؤلاء على يد المستبد وأعضاده. الثقفوت في الاعلام يتحسر على أيام المخلوع فتُتلى قصائد البائدة بين البائد و يُستدعى المناشدون الذين أخذتهم لوعة الثورة الى التوبة المؤقتة و اليوم لا يستنكفون من تمجيد الماضي البائس المسؤول الاول على الثورة وما يصيبها من وهنبين فينة وأخرى. أداوت اعلامية ضخمة واموال وفيرة تضخ على مدار الشهر والسنة حتى يشتد عود الثورة المضادة.هذه آراء كانت متنكرة بالسفساري لوقت قريب قد باتت تشكك اليوم في محرقة العهد البائد و ويلاتها بل تعتبرها خطوة صحيحة في الحداثة الواهية والتقدم المزعوم.

هذا جلاد يدلي بدلوه بعيدا عن الأضواء و يعتذر ممن نكلت بهم السياط و “الروتي” و “السيلون” ظلما و عدوانا فهل يسير آخرون على خطاه فتبقى ساحة الاستبداد خاوية الا من نخبة غارقة في وحل التمجيد و المناشدة استعملها المخلوع لسنين من أيام حكمه ثم تركها بيننا ترثي عهده القاتم بظلمة الليل وانتشار الفقر و غياب التنمية و وفرة الوصولية والتملق والرشوة و الفساد الذي أبدى فيه دراية و معرفة.

أبو مازن

المصدر: باب نات 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى