رأي

حـنـيـن الـمـسـتـقـبـل

 

بداية غائمة في سنة ميلادية جديدة، ترافقها حيرة على الوجوه. تنطلق سنة 2017 مثل «عرس الذئب «عند مزارعينا:شمس ومطر في نفس الوقت. فبعد سنوات ست من ثورتنا العظيمة يبدو قطارنا متوقفا. لنا كل الرغبة، كتونسيين،في إنجاح معجزتنا،و لا شيء ينقصنا سوى يد قوية .و اليد القوية لا تتناقض بالضرورة مع الديموقراطية.

ولكن من أين لنا بها، هذه اليد القوية، حينما توشك السياسة أن تتحول من رسالة إلى بضاعة. ولما توشك الأحزاب والمنظمات أن تتحول من مدارس إلى دكاكين.ولما يتداخل المال، والإعلام، والرياضة، لتصبح السياسة واجهة لمصالح متسترة. بلدان كثيرة أهدرت فرصة ثوراتها بديموقراطية شكلية تزيف فيها إرادات الشعوب، وتصبح ستارا لتبييض فساد واستبداد يعودان من شباك البيت الذي أخرجا منه، ولكن بطريقة ناعمة هده المرة..

ولكن السماء الغائمة نفسها يمكن أن تعطيك فسحة من دفء.
فكان نجاح مؤتمر الإتحاد العام التونسي للشغل فسحة أمل، من خلال تداول سلس، وتثبيت للديموقراطية والمؤسساتية، والحفاظ على المنظمة مظلة ترعى التنوع البرامجي وتتحرر من قيود الأيديولوجيا، ومن خلال صياغة رؤية نقابية ترسخ الدور الوطني للمنظمة وتزاوج بين الإنحياز للشغالين ومراعاة مرحلة الإصلاحات الكبرى التي لم يعد من الممكن تأجيلها.

ولكن السماء الغائمة يمكن أن تكون أكثر كرما. هكذا أحسست أثناء الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر السادس للحزب الجمهوري.

*****

من مدخل قاعة الإستقبال تلمس شيئا مغايرا. هو المزيج من الحنين والحماس. الوفاء يكون أحيانا سجنا. ولكنه هنامعبر.
تجد فريق التأسيس، لعلهم يشعرون بشيء من الرضا. فلمتذهب أحلامهم سدى. لهم نصيبهم في هذه الثورة، ولم يذرهم ربهم فرادى. يراقبون بكثير من الفخر شبابهم يسعى بين القاعات. رافعا ذلك الشعار المميز: حرية، هوية، عدالةاجتماعية.
تونس المناضلة ضد الإستبداد كلها كانت حاضرة. مع بعض الاستثناءات التي أصبحت معتادة. وكان يفترض وجود تونس القديمة. للأسف كانت هي أيضا غائبة. لعله بسبب التشتت.

*****

يمكن لأي كان أن يختلف مع الأستاذة مية الجريبي، الأخت الأمينة العامة. لكن لا أحد يشكك في نضاليتها،و صدقها،وإلتزامها الديموقراطي .السياقات تغيرت منذ بداية الثمانينات ،و لكن الحماس لم يتغير ،و الإلتزام لم يفتر،و البوصلة لم تشوش .

صدق اللهجة، وسلاسة الخطاب، كأنما كانت تقرا شيئا حفظته عن ظهر قلب،ربما لأنها كررته لأربعين سنة.

والصدق بضاعة تلقى دائما جزاءها. ولم تكن القاعة بخيلة بالهتاف، وربما وجدت الفتيات نموذجا للإقتداء.

*****

فكريا، سيسجل التاريخ السياسي التونسي بصمة خاصة للآباء المؤسسين للتجمع الإشتراكي التقدمي /الحزب الديموقراطي التقدمي /الحزب الجمهوري، هيالتمرد، أوالاجتهاد، او المراجعة،أو الجرأة، أوالمرونة.

لم يكن سهلا في بداية ثمانينات القرن الماضي التحرر من ربقة الأيديولوجيا المغلقة، القومية او الماركسية، ولم يكن سهلا الخروج من التنظيم، الثكنة، لنصل إلى فكرة التجمع التي تعني التنوع والإختلاف والإلتقاءعلى المشترك.

كنت في مكان ما لما تأسس الحزب الديموقراطي التقدمي. كنت أسترق الأخبار. لم أكن أستطيع الكلام، لكن لا أحد كان بامكانه أن يمنعني من الفرح. حدثت نفسي حينها: عندما نجرد المرجعيات نجد القيم. والقيم تجمع.

في هذا المؤتمر كنت استمع لاهازيج الشباب، والأقل شبابا أيضا. حرية، هوية، عدالة اجتماعية. وتساءلت: ما هي الفوارق النوعية عن شعارات النهضة:
حرية
 عدالة
 تنمية

لو إشتغلنا لما وجدنا كبير إختلاف بين الأحزاب، إلا حظوظ الأفراد. ولذلك أعتقدأن أكثر الناس المعنيين بزيارة المقابر إنما هم السياسيون حتى يتأكدوا أن الموتى لا يحملون معهم شيئا. والأكفان لا تختلف عن بعضها كثيرا.

*****

سياسيا، كان الحزب في المواعيد الكبرى طيلة ما يقارب الأربعين سنة. كان طرفا أساسيا في مقاومة الإستبداد، وكان طرفا فاعلا في مرحلة التأسيس لجمهوريتنا الثانية.

كان، غالبا، في موقع المعارضة البناءة، في سياق لم يتخلص كثيرا من ثقافة الإحتجاج.
–  هل أخطأ الجمهوري؟
– هل أخطأ قادته؟

 بالطبع. فهم بشر. ولكن العبرة إنما تكون دائما بالخط العام، وبالمحصلة النهائية، وهي في صالح الجمهوري.

تحدثت مرة، في بهو المجلس التأسيسي مع المناضلة مية الجريبي، الأخت الأمينة العامة. صارحتها. قلتلها:
–  يجب أن نقرأ، مشتركين، ما حصل بين ديسمبر 2010، وجانفي2011، في العلاقة بين الأحزاب السياسية، وخاصة بين حزبينا.

اليوم يدرك الجميع، ويقر الجميع، أنه كان بإمكاننا تحقيق إنجاز أفضل مما حققنا. وسبب هذاالتقصير، وكذلك تغيرالمزاج لصالحالركود والمحافظة، يعود لأخطاء إرتكبتها الأحزاب.

 وصداقتنا تملي علينا أن نتصارح وأن نتبادلالإعترافات حتى لا نكرر أخطاء الماضي.

*****

المؤتمر أعطى رسائل جيدة، بخصوص التداول، ومزيد التمكين للمرأة، والتشبيب، والتموقع في الوسط الاجتماعي.

نتمنى التوفيق للفريق القيادي. ونتمنى التوفيق للأستاذ نجيب الشابي، والأستاذة مية الجريبي، التي أكدت أنها لن تغادر السياسة. والبلاد لا زالت في حاجة إلى خبرتها، وحكمتها، وصدقها.

وعسى أن تكون نجاحات مؤتمرات النهضة في الربيع الماضي، والإتحاد العام التونسي للشغل والجمهوري، في الأسابيع الأخيرة، والتي أبرزت جميعها جهودا من أجل التجديد في الخطاب والثقافة، عسى أن تكون هذه المحطات حافزا لبقية الفضاء الحزبي والإجتماعي لخوض مغامرة التجديد، فهي دائما مربحة.

يجب أن يشمل التمثيل السياسي مجمل الفضاء المجتمعي، وأن تحصل عقلنة التنافس، وخاصة ترسيخ المعنى النبيل للسياسة ووظيفتها التربوية.

نعيد الإشتغال على السياسة بإعتبارها قيما وبرامج وثقافة.

ونجتهد لتكون الكيانات السياسية مناضلين وهياكل، تعتمد  آليات التأطيروالتثقيف والتواصل. بذلك فقط نحمي ثورتنا من خطر المقاولات السياسية، وبذلك فقط نبني فضاء سياسيا سليما، وبذلك فقط نجسر الفجوة بين الأحزاب والمواطنين.

عبد الحميد الجلاصي

المصدر: الصباح نيوز 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى