رأي

أزمة المدرسة ووزارة التربية… إلى أين؟

 

لم يصل الصراع حول التربية في تونس إلى ما وصل إليه ونحن على مشارف نهاية هذه السنة الدّراسيّة من انسداد أفق وانعدام قدرة على التواصل المجدي الإيجابي بين الفرقاء

 وهذا راجع في اعتقادي إلى “شخصنة” مبالغ فيها للمسألة حصرتها في شكل غير معهود من السجال الثنائي الذي يتغذّى منه للأسف خطاب إعلاميّ زاد في تأجيج  نيرانه وتحويله إلى عرض فرجوي ساخر هو بوجه من وجوهه مأسوي أيضا حينما ندرك تبعاته وآثارها في نفوس أبنائنا التلاميذ و العملية التعليميّة المتضرّرة يوما بعد يوما بهذا الكمّ الهائل من الصخب والانقطاعات والتحرّكات، وقليل من بقيّة قطاعات التعليم من يحرّك ساكنا إمّا خوفا أو تواطؤا أو شغفا بالفرجة.

وكأنّه محتوم على كلّ المنتمين إلى بقيّة القطاعات الأخرى وكلّ التونسيين إمّا الانخراط في هذه المعركة وتوسعة دائرة النّزاع  أو الجلوس على الرّبوة والانتظار السّقيم لما قد يأتي وقد لا يأتي من قرار تنحية السيد ناجي جلول من منصبه ،كيف لا والثقافة السياسية في تونس منذ الثورة وحتّى الآن لا تعيش إلا ّ على وقع تغيير الحكومات والأشخاص والأسماء، بينما الواقع لا يتغيّر والسياسات هي نفسها، بل لعلّها تزداد عجزا وبؤسا حوّلا التونسيين إلى شعب يائس من قدرة الطبقة السياسية على إنقاذ البلاد اقتصادا ومجتمعا وتعليما وثقافة والحال أن السياسة من فن رياضة وترويض وقيادة وتسيير وخاصة فن حلحلة للمشاكل وإيجاد للبدائل والحلول لا فن الخطب الكلامية والمعارك الإعلامية لتلميع صورة حزب أو شخص.

 وأنا بصفتي منتمية إلى سلك متفقّدي التّعليم الثانوي ونقابتهم  من حقّي أن أعبّر عن رأيي في هذه القضيّة الخطيرة التي تعني قطاع المتفقّدين من سنوات وقد أريد منه أن يكون إما شاهدا على انتحار المدرسة “يتفرّج ولا يتكلّم” خوفا من أن يجابه نفس مصير ما يجابهه مسؤولون كبارا في السلطة، أو يجابه العاصفة وحيدا أعزل يفتّش عن شيء مفقود أو يعتنق عقيدة الفقد هو الآخر ويتأقلم مع الرداءة لئلا ينعت بتهمة جديدة صارت من التسميات الرّائجة وهي “السكتورية” والحال أنّ البعض بات يتوهم أنّ الآخرين إما أن يكونوا قطيعا خامدا تحت كلكله أو يضعهم في دائرة الاتهام ويزيد في توسعة رقعة المعركة الخاسرة التي يدفع وطننا ومستقبل أبنائه وبناته ثمنها غاليا ولا أحد سواه.

من حقّي أن أفكّر وأتدبّر الأمر برؤية وطرح مختلف أرى فيه بعض الحلول، علّه يجد إصغاء وتفاعلا من المعنيين بالأمر خاصّة المكتب التنّفيذيّ الجديد للاتحاد (الذي لا أظنّه سيسقط في فخّ تنحية الوزراء وتعيينهم ولم يكن هذا يوما شأن سابقه وقد اختار الحياد الموضوعي عن معركة الأسماء والتعيينات )وكذلك إلى رئاسة الحكومة وكلّ الأحزاب والطّبقة السياسية وفيها أجندات كثيرة لاشكّ أنها تستفيد من هذه المعركة الخاسرة لحسابات في نفس “يعقوب”.

وإني على هذا الأساس لأدعو إلى تشكيل لجنة إسناد وحوكمة تشاركية حقيقية فيها أعضاء من ممثلي رئاسة الحكومة والاتحاد والمعهد العربي مع استدعاء أطراف أخرى من حكماء التربية والتعليم وخبرائهما وعلمائهما ومكونات المجتمع المدني لتوضع مخرجات الحوار الوطني على محكّات أوضح بالاحتكام إلى معايير أكثر موضوعية ومعقولية وعقلانية من المدرسة وإليها، تعيد النّظر في مواطن الخلاف الموجودة حول القانون التوجيهي الجديد للتربية وتواصل العملية الإصلاحية في اتجاه أكثر ثباتا وإقناعا وديمقراطية  وتوافقا يجعل من هذا القانون يرتقي إلى مرتبة “دستور المدرسة التونسية الحديثة الديمقراطية” يحتاج عقدا اجتماعيا حول التربية وخارطة طريق.

من أدوار هذه اللجنة لا اختيار اسم وزير آخر أو الإبقاء على الوزير الحالي فهذا أمر ثانوي مقابل الإشكالات الحقيقية المتمثّلة في أي مشروع لإصلاح المدرسة؟  ومن سيسهم في إنجاحه؟ هل هو مجرّد اختيار سياسي أو نقابيّ لشخصية ستخلف ناجي جلول ؟ أم هي سياسة تربوية كاملة يجب أن تتغيّر لتنهض على أسس رشيدة محوكمة خاضعة إلى معايير مجتمعية ووطنية متفق في شأنها من جميع الأطراف بلا استثناء؟

 إن المدرسة وإصلاحها لا يحتاجان أشخاصا ولا أحزابا ولا حتى هياكل ومنظمات بقدر حاجتهما إلى عقلية بديل وسياسة ارقى وأنقى من الدسائس والصغائر والذاتيات، بها وحدها يستمرّ الحوار حول المدرسة تشاركيا ديمقراطيا ،مسهما في بناء عقلية العقد الاجتماعي حول التربية والتّعليم وتخليص أبنائنا وبناتنا من براثن هذه المعركة الكلامية الخاسئة، بل المحرقة الكلامية الخطابية وما فيها من هرطقات ومهاترات خائبة ستعرض بقية السنة الدراسية إلى مزيد الهزات والانقطاعات وسنقف جميعنا على حقائق آثارها يوم نجني محصول نتائج امتحاناتنا الوطنية ليظلّ الفشل وليد الفشل والقطيعة بين الفرقاء مولّدا أول ورئيسيا للانقطاع.

 سلوى العباسي *

المصدر: الصباح نيوز 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*متفقدة أولى للمدارس الإعدادية والمعاهد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى