رأي

ضحايا الإرهاب… قليلهم شهداء عند الإعلام و أغلبهم في طي النسيان

 

 

رحم الله شهداء الوطن من مدنيين وعسكريين وأمنيين قدموا أرواحهم فداء للوطن منذ حركة التحرير الوطني و في لحظات سطوة الاستبداد وساعة الثورة المجيدة واليوم على يد الارهاب الغاشم الذي عكّر صفو حياة المواطنين وجعلهم يتوجّسون الخيفة والخشية على وطنهم المسالم الضارب في القدم حضاريا. لم يبخل أهل الوطن بدمائهم قبل الثورة وبعدها بل كانوا عرضة للقتل والسحل والتنكيل والذبح على يد الهمج و الدهماء التي حصرت الدين الذي ننهل منه السلم والسلامة في تكفير الناس وقتلهم.

كاد الارهاب أن يبدد أحلام الحرية والكرامة في وطننا و نجح في ذلك في باقي دول الربيع العربي اذ أصبح شتاء قارسا يتّم الأطفال و هتك المحصنات و دمّر البلاد ثم قسّمها شيعا وطوائف متناحرة. شأنهم في ذلك شأن العراق الجريح منذ عقدين من الزمن لا يكاد يستقر حاله حتى يحصل تفجير في سوق شعبي أو نهج مزدحم فيحصد مئات الأرواح. من يبيع السلاح لهؤلاء ومن يمدهم بالمتفجرات ؟ ذلك هو السؤال الذي لا يجد جوابا ضافيا.

بعد ان تقبّلت أرض تونس الحبيبة جثمانين شهداء الثورة المنسيين الى اليوم والغير معلومين لدى عموم الناس بعد تعمّد تعطيل اصدار قوائم بأسمائهم نزل خبر استشهاد العسكري العقيد العياري في الروحية على يد الارهاب الآثمة. خفت يومها الأمل في ثورة تحصد اهدافها بسلاسة و في زمن قياسي و علم المتفطنون أن منعرجا خطيرا قد يأخذ الوطن الى التقاتل واثارة النعرات بعد تذكيتها بالارهاب. نسيت الثورة سلطة وشعبا شهيد الرعيل الاول من الثورة و استعدت الاذهان لقبول غيرهم وغيرهم. لم تكد تمر فترة قصيرة من الزمن الا و طالعنا الاعلام بضحايا الارهاب المجرم ، كان يومها الاعلام يبرز صور جثثهم و ينقل عويل عوائلهم و يصور مواكب السياسيين المتاجرين بآلامهم ثم يدخلون في طي النسيان كشهداء الثورة و العقيد العياري رحمهم الله.

في مثل هذا اليوم كان استشهاد السياسي بلعيد خبرا جللا في وسائل الاعلام بعد أن نالت منه يد الغدر الآثمة صباحا حين كان متجها الى عمله وترك فلذتي كبده يتامى. كانت الضربة القاسمة لحكم الترويكا آنذاك وكانت النذير لتقلبات سياسية كبرى في الوطن. ظل الشهيد علما تلتجأ اليه عديد القوى السياسية لغايتها الحزبية وبعد ختم البحث القضائي لازالت أطراف عديدة تقتات من شهادته وهو في الرفيق الأعلى.

بعد يومين من استشهاد بلعيد يلتحق بالرفيق الأعلى الأمني الزار بحجر آثم فيدفن و يزور الاعلام العائلة المكلومة ثم ينتهي الخبر بعد أيام.

انتقلت المواجهات الى الجبال و استشهد عدد من حماة الوطن وهم ينتظرون ساعة الافطار في رمضان فارتفعت ارواحهم الى الرفيق الاعلى حيث يساوي ربهم بينهم و بين بقية الشهداء ولكن اعلامنا المغرض ينساهم في أول فرصة و يتناسى أحداث اخرى أخذت ما أخذت من عسكريين وأمنيين شرفاء استشهدوا مقبلين غير مدبرين في قتال ضد الارهاب الغاشم. من يعرفهم من يحفظ عددهم من يحتفظ في ذهنه بصورهم؟ جاء استشهاد الحاج البراهمي الصعقة الكبرى للثورة التونسية و تضرج عيد الجمهورية آنذاك بدمائه الزكية. استشهد الحاج وترك زوجة مكلومة وأبناء ينتحبون و شعبا زاهدا في ثورته التي اختلطت بدماء كثيرة فهل ينصفهم القضاء وهل ينصفهم الاعلام؟

عديدة هي الاحداث المؤلمة وعديد هم شهداء الوطن ولعل حادثة الامن الرئاسي واستشهاد بعض بواسله غيّرت نظرة الناس لمفاهيم الشهادة التي تطلق هكذا. فتعامل السياسيون والاعلام و المجتمع المدني مع الحدث بحكمة و وحدة لم نرها من قبل و علقت قائمة الشهداء وتوزعت أسماؤهم على المدارس والشوارع والأنهج وأقيم نصب تذكاري لتخليد شهادتهم. كذلك أجنى ما نقوم به لنوفي الشهداء حقهم، كل الشهداء دون حيف او تحريف لهذا المعنى الخالد في البشرية والذي يبلغ أصى رتب التضحية في سبيل المجتمع. رحم الله شهداءنا جميعا و جعل الله تخليد أسمائهم (كلّهم) عبرة للمتقاعس في حب هذا الوطن و المتباكي على ما خسره من أرباح مادية و معنوية بعد الثورة.

أبو مــــازن

المصدر: باب نات 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى