رأي

في تونس: وسيلة للتقييم أم نظام لتدمير الإمكانيات؟

 

 

أولى الحبيب بورقيبة، منذ الاستقلال، التعليم مكانة هامة ووضعه على رأس أولويات الدولة الحديثة. وكانت مجانية التعليم والبرامج التعليمية الحديثة وسيلة لتكوين عدة كوادر أفادوا البلاد وتقلدوا أعلى المراتب. غير أن المتمعن في حالة التعليم اليوم في تونس وخاصة نظام الامتحانات يفهم منذ البداية أن النظام المتبع للتقييم لم يتغير منذ الخمسينيات فقد ظل حبيس استراتيجية قائمة أساسا على الحفظ وتخزين أكبر عدد ممكن من المعلومات لإعادة وضعها في الإمتحان دون أي فهم أو توظيف.

قد يرى الكثير من المدافعين عن هذا النظام التعليمي أن أخذ الأمور من هذه الزاوية يعتبر اختزالا وتسطيحا للأمور ولكن تلك هي الحقيقة التي يرفض أصحاب السلطة منذ عقود الإعتراف بها. إن تطور العالم والمناهج التعليمية في العالم قد أدى إلى تطور طريقة تقييم الطلبة، لذلك فإن حالة الجمود التي تعاني منها البرامج التعليمية التونسية تؤدي آليا إلى تخرج عدد كبير من الطلبة الذين إقتصرت مهمتهم على الحفظ دون أي إعمال للعقل.

يعتمد نظام «أمد» في أغلب الإختصاصات (إختصار لمراحل التعليم العالي في تونس: إجازة – ماجستير- دكتوراه) على تهميش الامتحانات الدورية والتكثيف من الدروس المسيرة والتركيز أكثر على امتحانين أساسيين يجتازهما الطلبة في آخر كل سداسي. هذا ما يؤدي إلى تراكم كم هائل من المعلومات وما يجعل مهمة النجاح في كل المواد مستحيلة حتى بالنسبة لأصحاب الذاكرة القوية.

هنا، نستنتج أن نظام الامتحانات في تونس لا يشجع على البحث وتطوير القدرات الفردية بل يعتمد أساسا على إرساء نوع من التنافس بين الطلبة معياره الوحيد في التقييم هو الذاكرة لذلك فإن أغلب الإحصائيات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الشباب التونسي المتواجد في بؤر التوتر هم من حاملي الشهادة العليا. أي أنهم بطريقة أو بأخرى ضحية نظام لا يعتمد على ترسيخ ثقافة إعمال العقل والبحث بل على الحفظ الآلي دون أي مجهود.

صحيح أن الشهادات العليا في الجامعات التونسية معترف بها في كثير من البلدان في العالم ولكن لا أحد ينكر تقهقر المستوى مقارنة بالستينيات والسبعينيات. فأن تمتحن في تونس اليوم، هو أن تحفظ ترسانة من الدروس التي يلقيها عـليك الأسـتاذ. قد يبدو ذلك كاريكاتوريا للبعض ولكن العلاقة الثنائية بين الأستاذ والطالب ترتكز أساسا على معلومات تملى وطالب يكتب ليحفظ ويعيدها في الإمتحان.

والحقيقية أن مناصري هذا النظام التعليمي ونظام التقييم الحالي في تونس يركزون اهتمامهم على أوروبا وبصفة أدق فرنسا (التي تعاني أيضا تأخرا في مناهج التعليم وهو ما جعل مرشحي الرئاسة حاليا يقترحون تثويره وتغييره) غير مهتمين بالتجربة الرائدة للبلدان الأوروبية الأخرى كفلندا والدنمارك مثلا والذين إكتشفوا عدم نجاعة نظام التقييم وإتجهوا نحو مناهج جديدة تقوم على تعلم إعمال العقل، ففي زمن تواجد المعلومة متاحة للجميع لم يعد للحفظ وتقييم الذاكرة اي جدوى بل المهم تعلم التفكير لفتح مجالات أوسع وآفاق أرحب للخلق والإبداع بعيدا عن القوالب الجاهزة المعدة للحفظ والتكرار.

 

ضياء بوسالمي

المصدر: القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى