اقتصاد

وهم التمييز الايجابي وشحاذة التنمية

 

       أقرّ الفصل الـ 12 من دستور 2014 مبدأ التمييز الإيجابي كأحد العناصر التي يتم الاعتماد عليها لتحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات، استنادا إلى مؤشرات التنمية.

وإلى بداية 2017 مازال الوضع التشريعي على حاله قبل الثورة، ولم تقع بلورة ما جاء به نص الدستور في نصوص قانونية ومازال إعداد الميزانية وصرفها ومتابعتها ومراقبتها يدار بالقانون الأساسي للميزانية لسنة 2004 والذي يغيب البعد الجهوي ويكرس البعد القطاعي. وكذلك لم ينعكس نص الدستور في الإجراءات والترتيبات الإدارية، فمثلا، جاء المنشور عدد 12 بتاريخ 16 افريل 2016 الصادر عن رئاسة الحكومة (الحبيب الصيد) لإعداد ميزانية الدولة لسنة 2016  تقريبا على الصيغة التقليدية لما قبل الثورة، ولم يأت على ذكر “مبدأ التمييز الايجابي” في متنه أو في ملاحقه ( 37 صفحة).

 بالنهاية مازال الفصل الـ 12 من الدستور كلاما مكتوبا دون أن يحمل أثرا على الواقع. وبالتمعن في الموضوع يتّضح أن تكريس النص تعترضه صعوبات متنوعة منها السياسية ومنها القانونية ومنها المنهجية.

المقاومة السياسية لتكريس الفصل:

اتخذت المقاومة السياسية لتكريس الفصل أشكالا متنوعة منها الامتناع عن التشريع أو المبادرة في الاتجاه أو فتح النقاش حوله في المجال العام. ومع أن الفصل يتحدث عن “التوازن بين الجهات” وفي ظل غياب التعريف القانوني للجهات، حيث لا توجد رسميا جهات في البلاد بل هناك وحدات إدارية من ولاية فما تحت، فقد ظهر خطاب لدى قيادات الأحزاب الحاكمة يدعو إلى إجراء المقارنات بين المعتمديات أو بين العمادات وحتى بين الأحياء، وهي مقاربة قد تكون لها بعض الوجاهة، إلا أنها عمليا توظّف للتعطيل.

سياسيا نعتقد أن ميزان القوى الذي أتى بالفصل 12 من الدستور لم يعد قائما لا من ناحية المناخات العامّة والأولويات ولا من ناحية القوى السياسية. كما يلاحظ تواصل هيمنة الجهات المستفيدة تاريخيا من السلطة،  على تركيبة حكومتي الصيد والشاهد ويناهز وزنها  ثلاثة أرباع عدد الوزراء إضافة إلى رئاسة الحكومة والإشراف على الوزارات ذات العلاقة بالتنمية وبالمرافق العمومية وهو مؤشر على مواصلة العمل بالتمييز السلبي للجهات الخاضعة في مجال امتلاك السلطة. ومع عدم القدح ضرورة في النوايا، ومع عدم تنزيهها أيضا، نعتقد أن القرارات مازالت  تتأثر موضوعيا بالعوامل الذاتية لأصحاب السلطة ومنها الانتماءات الجهوية للوزراء وللمديرين العامين وهناك  أمثلة متداولة في الحكومة الحالية وفي الحكومات السابقة. وهو في اعتقادنا أمر وارد ومتوقع ويرجع إلى تقاليد إدارة السلطة في البلاد أولا، والى طبيعة الأحزاب الناشئة ثانيا، من افتقادها للبرامج السياسة العملية ومن ضعف تأثير هياكلها متى وجدت، في القرارات الوزارية، مما يترك المجال واسعا أمام الوزراء لاجتهادات بعضها بريء، وهي في الواقع ممارسة تكرر في عمقها العلاقة التاريخية التي يستفيد بمقتضاها مالكو السلطة بالنصيب الأوفر من ثمار التنمية.

صعوبة منهجية:

من الناحية المنهجية هناك إشكال حقيقي يعترض تنزيل مبدأ التمييز الايجابي. إذ يصعب الحديث عن التمييز الايجابي قبل معرفة واقع توزيع الموارد العمومية بين الولايات. لا نعلم مثلا أن بعض الولايات قد تستفيد من منظومة التكوين المهني بما يفوق خمسة أضعاف ولايات أخرى مع مراعاة عدد السكان، وقد تفوق النسبة ذلك في مجال الصحّة. ولا نعلم كلفة تعليم التلميذ في كل ولاية. وكذلك في مجالات البنية التحتية وغيرها. كما يشهد توزيع الموارد البشرية العمومية اختلالا كبيرا ينعكس في تفاوت الأجور التي تنفقها الدولة في كل ولاية. وهو وضع غير معلوم وغير معلن وهناك ما يبرر الاحتياط وتوخي الحذر تجاه الأرقام الرسمية متى وجدت.

يستوجب الوضع البدء بالكشف على النصيب الفعلي للجهات من الإنفاق العمومي في نفقات ألأجور والتصرّف وفي نفقات التنمية، وفي مرحلة ثانية يتم التعديل بهدف السعي إلى الإنصاف، وفي المرحلة الثالثة  يبدأ العمل بمبدإ التمييز الايجابي. إذ يصعب الحديث عن التمييز الايجابي أو السلبي دون معرفة حقيقة الأرقام والتي لا تبوح بها الميزانية في صيغتها الحالية.

ما نعنيه أن المسار يبدأ في منطلقه بمراجعة للقانون الأساسي للميزانية لسنة 2004. وفي انتظار ذلك يظل الحديث عن تفعيل فصل التمييز الايجابي من قبيل الهراء السياسي والنفاق.

شحاذة التنمية والارتقاء بالوعي:

في الأثناء تواصل الجهات “المهمشة” التعبير بطرق وأساليب متباينة “للمطالبة بالتنمية “، وهي مطالبات استمرت لعدة عقود دون أن تثمر. ونزعم أن المطالب الحالية قد تنتهي أيضا إلى نتائج لا تختلف كثيرا.

على الأرجح أن الصيغة الحالية للمطالب في شكلها الاجتماعي قد بلغت حدودها، وفقدت فاعليتها. وأن تنمية تلك المناطق قد تتطلب الارتقاء بالمطالب التي تصاغ حاليا في شكل شحاذة واستعطاف إلى صيغة سياسية تستبدل الاستجداء الاجتماعي بفرض استحقاقات سياسية جريئة تدور حول محركات التنمية وامتلاك السلطة. إنها مسألة ارتقاء بالوعي من الشحاذة إلى النضال السياسي.. إنها مسالة وقت.

الصغير الصالحي(*)

المصدر: الصباح، 28 جانفي 2017

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)- مهندس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى