تحاليل

في ذكرى أحداث 26 جانفي 1978.. “الخميس الأسود” صفحة يكتنفها الغموض والالتباس

      كانت عشرية السبعينات، من العشريات القاسية على التونسيين، سواء من كانوا في الحكم أو عامّة الشعب، الذي عانى الويلات خلال هذه العشرية، والتي بدأت بالتداعيات السلبية اجتماعيا واقتصاديا، لتجربة التعاضد الفاشلة، وانتهت بأزمة طاحنة بين النقابيين والسلطة،التي انفلت زمامها من قبضة الحبيب بورقيبة، وبدأت تتجاذبها طموحات وأهواء رجال البلاط والمقربين من الزعيم، خاصّة أولئك الطامعين في خلافته والحلول محلّه.

ودفعت أحداث 26 جانفي 1978، إلى ذروة أزمة في سنوات السبعينات، التي اتخذت أوجها مختلفة فقد انطلقت بمطالب اجتماعية، انتهت بمواجهة بين السلطة والاتحاد العام التونسي بقيادة الحبيب عاشور، مواجهات ذلك اليوم الذي سمّي في تاريخ الحركة النقابية بالـ”خميس الأسود” بالنظر لعدد ضحاياه، ستبقى عالقة في الذاكرة الوطنية كأبرز الأحداث التي مرّت بها البلاد، إبان عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ففي ذلك اليوم وبعد إقرار الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للإضراب العام، شهدت البلاد مصادمات عنيفة بين النقابيين والعمال المتظاهرين من أجل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية من جهة والسلطة من جهة أخرى، ممثلة في قوات الأمن والجيش وميلشيات الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم بقيادة مديره ورجل بورقيبة القوّي آنذاك محمّد الصياح، وتصرّفت السلطة حينها مع الاتحاد كتنظيم “سياسي معارض” وليس كمنظمة نقابية تدافع عن حقوق الشغالين.

وهذه المواجهات التي اهتزت على وقعها البلاد،أدّت لسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى واعتقال مئات النقابيين من بينهم القيادة المركزية للاتحاد وعلى رأسها الزعيم النقابي الحبيب عاشور، وكانت هذه الأزمة نتاجا، مباشرا لسياسية اقتصادية واجتماعية، فاشلة للدولة، بدأت معمطلع السبعينات بالتعاضد وبمحاولة “دولنة” الاقتصاد التي انتهجها النظام في الستينات،غير أن هذه الأسباب وعلى وجهاتها، لم تكن إلا أسبابا معلنة، لمعركة خفية بين الرجلين القويين في تلك الفترة،الحبيب عاشور الذي لم يمنعه ولاءه لبورقيبة من أن يبحث للاتحاد على مناطق نفوذ وقوّة، والحبيب بورقيبة وبطانته من رجالات الحزب والديوان السياسي والذي بدأ يتوجّس من ولاء القيادة النقابية.

”التمرّد” على بورقيبة…

إلى غاية أشهر قليلة قبل يوم 26 جانفي من سنة 1978، كانت علاقة الاتحاد بالسلطة آنذاك تبدو مثالية، فالجميع كان يعتقد أن بورقيبة نجح في احتواء القيادة النقابية وفي ضمان الولاء المطلق للحبيب عاشور الذي كانت تجمعه علاقة متميزة بالوزير الأوّل آنذاك الهادي نويرة الذي يعتبر من أقوى السياسيين الذين تقلّدوا هذا المنصب زمن بورقيبة، ولكن مع بداية شهر جانفي من سنة 1978، انقلبت كل الأمور،حيث عبّر الاتحاد عن موقف سلبي من الحكومة،عندما اعتبر انها تتجه لتدعيم الطبقة الرأسمالية على حساب الوطنية، وقد استقال كذلك الحبيب عاشور من الحزب مقدّما ولاءه للحركة النقابية والعمالية على ولائه للحزب ولبورقيبة، وهو ما اعتبره بورقيبة “طعنة في الظهر” الذي أبدى استياءه من تواتر الاحتجاجات العمالية التي اعتبرها محاولة لـ”التمرّد” من الحبيب عاشور، وليس نتاج “مطلبية” حقيقية لطبقة عمالية تدهورت أوضاعها اقتصاديا واجتماعيا.

فبداية ما وصفه المؤرخون بمرحلة “الغيبوبة السياسية” للزعيم بورقيبة التي دخلها مكرها بفعل المرض والشيخوخة، فسحت المجال لتدخّل أعضاء الحكومة آنذاك وأعضاء الديوان السياسي في هذا الصراع بتغذيته والدفع به نحو الأزمة. كما ساهمت التعيينات الجديدة صلب الحكومة في تلك الفترة في الدفع نحو المواجهة، فعبد الله فرحات الذي تمّ تعيينه على رأس الدفاع بدل الطاهر بلخوجة، كان من أنصار “القبضة الحديدية”، وقد كانت نتيجة هذا التمشّي مباشرة فلأوّل مرّة يتدخلّ الجيش في أحداث جانفي 1978 في قمع المتظاهرين والاحتجاجات السلمية. وكان لتعيين زين العابدين بن علي وقتها كمدير للأمن الوطني ترسيخ لسياسة القبضة الحديدية التي انتهجها النظام آنذاك وذهب ضحيتها 52 قتيلا و365 جريحا حسب إحصائيات رسمية قدّمتها السلطة ولكن تقارير مستقلة، تؤكّد أن حوالي 400 قتيل سقطوا في الأحداث وجرح أكثر من ألف مواطن نتيجة هذه المواجهات، وإلى اليوم بقي العدد الفعلي لـضحايا “الخميس الأسود” من أكثر الملفات التي يكتنفها الغموض والالتباس، ولم تعلن الدولة إلى اليوم مسؤوليتها عمّا حصل وكيف حصل؟ كما لم تقدّم الدولة اعتذارها للنقابيين عن جريمة ارتكبها نظام بورقيبة، وقد تكشف جلسة الاستماع التي أقرّتها هيئة الحقيقة والكرامة اليوم لضحايا هذه الأحداث بكشف المزيد من الحقائقالمدوّية.

 “ميلشيات” الصياح:

من الثابت تاريخيا أن مجموعات محسوبة على الحزب الاشتراكي الدستوري بقيادة محمّد الصياح تدخّلت ميدانيا لتأجيج الأوضاع ودفعت المتظاهرين نحو ردود الأفعال العنيفة ونحو إثارة الفوضى حتى تفرغ الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد دفاعا عن استقلاليته وعن حقوق الشغالين، من جدواه ومشروعيته وتقيم الحجة على المنظمة الشغيلة بأنها دعت للإضراب مدفوعة بغايات سياسية مشبوهة وبرغبة في إدخال البلاد في حالة من الفوضى والاحتراب، وهو ما سيمنح” الحق” بعد ذلك للسلطة لتحاكم النقابيين ولضرب الحق النقابي.

وعرفت هذه المجموعات المحسوبة على الصياح بـ”ميليشيات” محمد الصياح، الذي كان يمثّل الجناح المتصلّب والمتشدّد داخل الحزب الاشتراكي الدستوري وداخل النظام البورقيبي، وقد استغل منصبه كمدير للحزب آنذاك ليشكّل خلايا موازية لأجهزة الأمن الرسمية تعمل على جمع المعلوماتوالقيام بعمليات اختراق للمتظاهرين وللنقابيين الذين مارست ضدّهم العنف وأجبرتهم على التورّط في ردّ الفعل،الذي اعتبرته السلطة “عصيانا مدنيا يهدّد الأمن القومي”..

النتائج:

وانتهت أزمة 1978 بالإضافة لسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى إلى إلقاء القبض على قيادة الاتحاد بما في ذلك أمينه العام الحبيب عاشور وإيداعهم السجن تمهيدا لمحاكمتهم. ووصل عدد الذين تعرضوا للمحاكمة أمام محاكم الحق العام إلى 700 من النقابيين، أما الذين حوكموا أمام محكمة أمن الدولة فيقدر عددهم بـ 130 في محاكمات صورية كان هدفها تدمير قيادة الاتحاد واجتثاث العمل النقابي وضربه للأبد، ومهّدت هذه المحاكمات أيضا إلى سن قانون الخدمة المدنية الذي مكن السلطة من إنشاء المحتشدات الطلابية وإجبار الطلبة على العمل في المشاريع الصحراوية بصفة إجبارية.

كان الهدف المباشر للسلطة من خلال أحداث 26 جانفي 1978،هو ضرب الاتحاد العام التونسي للشغل ووضع حدّا لتزايد تأثير القيادة النقابية ولشعبيتها، كما وأن فشل الدولة في تدارك تعثّر الوضع الاقتصادي وتدهور الأوضاع الاجتماعية، دفعها للبحث عن “معارك جانبية” لصرف الأنظار عن عجزها وفشلها.

منية العرفاوي

المصدر:جريدة الصباح 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى