إصدارات

افتح أبوابك الزرقاء لـ روعة قاسم فوضى الأحاسيس المتدفقة

6703a5ee0607d1392d27d63ca56c44ce_XL

 

 

 

لاشك في أن الكلام على الكلام صعب ولكن رغم ذلك تجد نفسك مدفوعا إلى التعبير عن خوالج الذات التي عثرت عليها ما بين سطور القصائد التي أثثت هذا الكتاب الذي أتيت على ما فيه من نصوص وقد شدتك إليه عبارات كثيرة وتعابير مثيرة عن عواطف وأحاسيس مبدع تلك النصوص ومبتكرها..

عملية الخلق تلك للنغم والإيقاع والصورة هي التي تؤسس للاختلاف بين شاعر وشاعر آخر…وهذا ما يبدو جليا في باكورة روعة قاسم..فقد جمعت 37 قصيدة شعرية في كتاب اختارت له عنوانا موحيا إيحاءات شتى من بينها إيحاء صوفي وآخر واقعي مميز لمكان له مكانته في «افتح أبوابك الزرقاء» هذه الثنائية (بين المتكلم والمخاطب) التي تبدو جلية في العنوان يعثر عليها القارئ في تفاصيل هذه المجموعة الشعرية الحاملة لبصمة صاحبتها اللبنانية/التونسية.

على امتداد 158 صفحة من حجم كتاب الجيب جاءت تداعيات الشاعرة مضمحة بكثير من البوح وقد حلت غلاف هذا الكتاب الصادر عن دار نقوش عربية بتونس لوحة للفنانة المصرية عليا سامي أما الإهداء فكان على النحو التالي :
«إلى ولدي بهاء الدين وشادي… تلك أبوابي الزرقاء لكما…لكي لا تضيعا طريق العودة…»

أما في المقدمة التي حبرتها الشاعرة /الزميلة الصحفية في جريدة المغرب هذه التي تدثرت بنصنا هذا-فقد جاء فيها» انه قدري …القدر الذي جاء بي قبل سنوات إلى تونس لتصبح الأبواب الزرقاء التي كانت حلما بالأمس واقعا أعيشه ويلازمني…هناك كلمات وأسماء تلاحقنا وأحداث محفورة في أعماقنا…إذا نظرنا إلى الداخل وجدنا أن التاريخ يكتب على مهل في القلب…فبين عالمين وفي عالمين أعيش في آن معا…من سيدي بوسعيد الهادئة الوادعة اهدي حلمي القرطاجي…إلى طرابلس الشرق (لبنان) ..هناك حيث بدأت كل الحكايات».

وروعة قاسم شاعرة وصحفية وكاتبة لبنانية من مواليد طرابلس اختارت أن يكون نصفها الثاني تونسيا فجاءت معه إلى الخضراء لتكون أسرة بجناحين تونسي ولبناني وهنا واصلت دراستها للحقوق التي بدأتها في الجامعة اللبنانية حيث أحرزت على الإجازة هناك في 2005 وعلى الماجستير في العلوم السياسية من كلية الحقوق بالمركب الجامعي تونس/المنار.وهي أيضا منتجة برامج إذاعية إلى جانب عملها في الصحافة الورقية وهاهي تطل علينا من نافذة الشعر…من عناوين القصائد المدرجة في باكورة الإنتاج الشعري لروعة قاسم نجد على سبيل المثال : لا عالم لهذا الحب-تعتريني رغبة – قليل من الحب-تركت قلبي هناك وهي قصائد مفعمة بهذه العاطفة الجياشة » الحب « العاطفة التي قادتها إلى الرحيل عن طرابلس لبنان والمجئ إلى تونس حيث قرطاج وسيدي بوسعيد والدندان ومنوبة..ومن القصائد الأخرى نذكر أيضا : » اكتشفت عشقك – لو مر حب من هنا- لا ينام عاشق « وكأنها تخاطب من اسر قلبها وجعلها تعيش تمزقا في المكان بين الـ(هنا)

و الـ(هناك) فان كان هنا الحبيب وفلذات الكبد فهناك بعيدا..في الشرق الوطن والأهل حيث يفعم القلب بالحنين إليهما..إلى الماضي ويتجلى ذلك في قصائد مثل «قهوة جدتي- نم يا صغيري-هذا أنا-أنا هنا وهناك- أنا ايلان- كم أشتهيك-يا وطني-أنا للبنان» وهكذا فإن شوقها يصل إلى حد الالتحام والتماهي.

لقد كانت النصوص الشعرية في المجموعة الأولى لروعة قاسم «افتح أبوابك الزرقاء» مفعمة بالحب والحنين والشوق المتداعي.فالشاعرة تعيش فوضى الأحاسيس المتدفقة..هي المسافات تؤرق الشاعرة فيجرفها الحنين إلى صباحات لبنان المضيئة ليتداخل الماضي مع الحاضر.

تبدو الشاعرة روعة قاسم متمرسة بكتابة النص الشعري وخاصة قصيدة النثر هذا التمرس يظهر خاصة من خلال الإيقاع والصورة الشعرية حيث تقول:على الضفة الأخرى/ضحكت لي الشمس/ومدت لي جانحيها/فغفوت…وعفوت…
وتضيف في قصيدة أخرى : » أنا للبنان ولبنان لي/منذ البدء ..كتبت اسمي بنارك الهادئة/تعطرت بسنديانك/كساقية تعود إلى نهرها على عجل/تحقق وعدها المكتوب على ورق الخريف.

في افتح أبوابك الزرقاء»ثنائية الأنا والأنت…هذا الضمير المخاطب/الغائب هو الحبيب والوطن والأمس وذكريات الأمس والأهل والوطن..في هذه التجربة الشعرية الأولى التي ولدت ناضجة كأبهى ما يكون إحساس بل أحاسيس متدفقة تصل إلى حد ملامسة التصوف وان كانت- فيما يبدو- تجربة صوفية لم تتعمق بعد.

في «افتح أبوابك الزرقاء» لروعة قاسم نصوص شعرية متعددة ومختلفة المشارب تشد إليها القارئ فيقراها أكثر من مرة دون أن يشعر أبدا بالملل لأنه في كل مرة يكتشف فيها ما لم يكتشفه في القراءة الأولى.

الحبيب بن فضيلة

المصدر: المغرب، العدد 1648، 12 جانفي 2017،ص19.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى