غير مصنف

من ذكريات ”صـــالـــح الــمــهــدي “

telechargement

 

 

لم يكن عَلَمًا… كان مَعلَمًا:

فارقنا الفنان والموسيقار صالح المهدي عن سن بلغت 89 عاما كرّس المرحوم جلّها لخدمة الموسيقى التونسية تدريسا وإدارة وتلحينا وأداء. كان رمزا بارزا للثقافة التونسية الرسمية وعلما من أعلامها في الخارج.

شق صالح المهدي القرن العشرين طولا وعرضا وجاوزه إلى قرننا هذا. شقه طولا فعاش عقده التاسع دون أن يفقد حتى آخر أيامه شيئا من ذاكرة السنين الطويلة. وشقه عرضا إذ هو ملأ دنيا التونسيين بألحانه وأغانيه وأناشيده وما كان يثار حول شخصيته من جدل.

صالح المهدي شهر «زرياب» لم يكن فنانا عاديا وموهبته إن اعتبرناها خارقة ـ وهي فعلا كذلك ـ فهي لا تكفي لفهم القدرة العجيبة التي أبداها هذا الرجل للتربع على كرسي الموسيقى التونسية طيلة ما يزيد عن نصف قرن من الزمن تلحينا وتدريسا وتدوينا، ثم على كرسي الموسيقى في تونس إدارة وتوجيها وتنظيما ونشرا في الداخل، وتعريفا وتمثيلا في الخارج.

لقد كان صالح المهدي يتمتع بذكاء حاد وثقافة واطلاع وكاريزما كبيرة تعطيه حضورا مهيبا، وكان له إدراك دقيق بمقتضيات السلطة وبتراتيبها، ومعرفة بمفاصلها، وقدرة على أن يتقمص الأدوار المتباينة وحتى المتضاربة. فلم يكن يعيبه وهو يرتدي لباس المسؤول الاداري أن يرفع صوته بالغناء، ولم يكن يرى حرجا في أن يجمع في شخصه وفي ذات الوقت صفات المدير والمنشط والمطرب معا.

كل ذلك وغيره مما بدا وخفي في هذه الشخصية الفريدة جعل من صالح المهدي انسانا استثنائيا بكل المقاييس.

التقيته مرات متتالية قبل أن ينسحب من هذه الدنيا ويغيب عن سماء هذه البلاد التي طالما ترنّم أهلها بألحانه وسهروا على أضواء مهرجاناته في العاصمة وفي تستور وفي القيروان وسوسة وصفاقس، في كل مدائن البلاد… وتفاعلوا مع برامجه التلفزية والاذاعية. سألته: “أين تلك الأيام سيدي صالح؟” فأجاب بسرعة من كان ينتظر السؤال: “كل بلاد تخدمها رجالها”.

كان في الجواب طعم من الاستياء وربما من الغيظ أيضا. صمت صالح المهدي وشرد لحظة في أفكاره فأتاح لي فرصة النظر إليه بتمعّن. لم أكن أرى رجلا أدركه الكبر بل رأيت مَعْلَمًا حيّا لا يزال نابضا حسا ورأيا وأفكارا فلم أمتلك أن أتساءل في نفسي أين هم مسؤولو هذه البلاد؟ أين القائمون على ثقافتها وذاكرتها وتاريخها؟ كيف يمكن أن ينسى رجل مثل هذا ويهمل رقما عاديا في دفاتر صندوق الضمان الاجتماعي وهو يحمل جزءا نفيسا من تاريخ البلاد، من معرفتها، من ذكائها، من ذوقها، من خيالها، من لغتها…؟

وأحسّ أني أطيل فيه النظر فدعاني إلى الحديث بعبارته الشهيرة «أيوه؟» سألته: «سي صالح المهدي، من أنت بالضبط؟». أجاب: “الجدّ الأعلى من الوالد الباش آغا المقراني صاحب الثورة الجزائرية لسنة 1870. قاد هذه الثورة إلى أن استشهد بعد أن غدر به وهو في صلاته. أغلب أسرته لجأت إلى تونس في مناطق عديدة”.

الجدّ الذي أتى إلى تونس استقر في الحاضرة إلى سنة 1881 بدخول الاستعمار الفرنساوي عندئذ غادرها وسافر مع زوجته وأبنائه إلى الشام وسكن هناك ولما توفي عادت زوجته إلى تونس لكن جمعا من أسرتها الذين استقروا بالحاضرة منذ بداية الحرب الجزائرية سنة 1830 أشاروا عليه بالرجوع إلى الجزائر. واستبقى بعض أقاربها أصغر أبنائها سنّا وهو محمد المهدي جدّي للأب الذي استقر بتونس وحصل فيها على الجنسية التونسية وتزوج احدى الفتيات من الأسر الجزائرية القديمة في تونس وأنجب ابنا وبنتا.

الابن هو عبد الرحمان والدي الذي سوف يكون له عليّ التأثير الحاسم في توجهي إلى الموسيقى، والذي تزوج هو بدوره من الفتاة فاطمة بن الشيخ صالح الشريف الذي هو جدي للأم.

جاء صالح المهدي إلى هذه الدنيا يوم 9 فيفري سنة 1925 وكان له أخوان عزالدين وابراهيم وكلاهما استقر بالولايات المتحدة الأمريكية. ومثل كل أبناء تونس كانت البداية بالكتّاب وحفظ نصيب من القرآن الكريم. وكان الانطلاق نحو آفاق بعيدة.

لم أبحث عن الموسيقى هي التي بحثت عني:

قد لا يتصور البعض منّا الدور الكبير ـ ولربما الخطير ـ الذي لعبه صالح المهدي في نحت الشخصية التونسية وتثبيت خصوصياتها على النحو الذي نعرفه عليها اليوم. وحتى نتمكن من تصور ذلك فلا بد من استحضار ولو بشكل تبسيطي أهمية ووظيفة الموسيقى في المجتمع ـ أي مجتمع كان.

يتّفق علماء الأنثروبولوجيا على أن الموسيقى تلعب وتنهض بمهمة أساسية في خلق الروابط بين أفراد المجموعة وفي توطيد ودعم وحدتها كما تؤسس الموسيقى لنوعية العلاقة بين الحاكم ومرؤوسيه لتكون بذلك رمز وسمة هذه السلطة.

من هذا المنطلق يمكن أن نتخيّل كيف سطع نجم صالح المهدي سريعا وتحول في سنوات قليلة إلى موسيقي تونس الأول.

السرّ؟ بورقيبة!

بورقيبة أدرك بحسّ رجل الدولة أن الرجل الذي كان يبحث عنه لتقديم «الإسمنت» المعنوي والأدبي الذي يعزّز بناء الكيان الوطني الناشئ إنما هو هذا الشاب النشيط، المتدفّق حياة، طليق اللسان، «البلدي» لين العريكة والمنصاع لرغبات فخامة الرئيس والذي هو في نفس الوقت قدير متبحّر في علوم فنّه قادر على فرض نفسه وإملاء أوامره على جمع الموسيقيين في البلاد. وجد بورقيبة ضالته في صالح المهدي فأوكل إليه مهمة تجذير الشخصية الموسيقية التونسية ببعديها الحضري والبدوي مع السهر الدائم على «الرفع من مستوى الذوق العام» الذي كان ديدن زعماء تونس المستقلة.

لكن «المجاهد الأكبر» كان يريد أكثر من صالح المهدي فأدخله بلاطه وقرّبه. وانتهى حلم زرياب، زرياب هو اسم الاستعارة الذي تخفى وراءه الشاب صالح المهدي سنين طويلة ليواصل ممارسة هوايته في العزف والتلحين والغناء لما كان يمارس مهنة القضاء.

لقد وجد صالح المهدي نفسه قاضيا ولم يتجاوز الست وعشرين من عمره (26). يقول: «تعلقت همّة والدي بإدخالي جامع الزيتونة لكن نصيبي المحفوظ من القرآن لم يكن كافيا ولم تكن المدرسة التي كنت أتردّد عليها في المركاض توفر حصصا لحفظ القرآن فغادرتها وعدت من جديد إلى الكتاب في مدرسة قرآنية في نهج المرّ وعرض عليّ أن أتولى فيها تدريس الرياضيات للمترشحين للشهادة الابتدائية مقابل تمكيني من دروس في اللغة العربية وحصص لحفظ القرآن.

وما أن حلت السنة الموالية حتى كنت جاهزا للدخول إلى جامع الزيتونة في عام 1941 واصلت تعليمي في هذه المدرسة حيث تحصلت على الأهلية ثم التحصيل ثم العالمية في الآداب. وكنت في الوقت ذاته مثل العديد من زملائي أتابع دروس كلية الحقوق التابعة للعدلية التونسية وتحصلت فيها على الاجازة وفي سنة 1951 شاركت في مناظرة القضاة وأصبحت قاضيا في المحكمة الابتدائية في العاصمة والمعروفة بـ «محكمة الدريبة» وانتقلت فيها من المدني إلى الجزائي ثم إلى التحقيق وأخيرا في سنة 1956 عيّنت رئيسا لمحكمة الناحية لمدينة طبربة.

يتوقف صالح المهدي عن السرد وبين ابتسامة وتنهيدة يتذكّر زرياب الذي لجأ إليه ليختبئ في جلبابه من حكم القاضي القاسي، كان المجتمع يومئذ متخلفا لا يولي الفن قيمة وينظر إلى الفنانين نظرة الريبة والازدراء.

من صالح المهدي إلى زريــاب… إلى صالح المهدي:

مثل زرياب البغدادي تعلم صالح المهدي التونسي الموسيقى في الخفاء دون علم أبيه الذي فتح بيته لاستقبال أصدقائه وزملائه من صنّاع الشاشية هوّاة «المالوف» والانشاد الصوفي. وكان الشاب صالح ينام كل مساء على أصوات المغنين يؤدون نوبات المالوف التونسي. كان يحس أن الموسيقى اختارته وأتته وفرضت نفسها عليها. لكن مهنة القضاء مهنة صارمة جافة لا تحب الفنون. ووجد القاضي الشاب نفسه في مواجهة معضلة لم يستطع التغلب عليه إلا بفضل الزعيم بورقيبة الذي دعاه بإيعاز من هواة الموسيقى ومؤسس الرشيدية السيد الباهي الأدغم إلى الالتحاق بوزارة التربية.

يتذكر زرياب ـ عفوا، صالح المهدي ـ كيف نزع جبة القاضي وجلباب زرياب الخفي ليرتدي بدلة رئيس مصلحة الفنون الجميلة.

يصحّح: «كانت تسمى الفنون المستظرفة بتوجيهات من الباهي الأدغم. وتمكّنت اعتمادا على مسؤوليتي الجديدة من تأسيس معهد الموسيقى والمسرح والرقص وكذلك من تنظيم دروس في الفنون في المدارس الثانوية التي كانت تدرس بالفرنسية فقط. وحين وقع بعث وزارة الثقافة عرض عليّ الصديق الأستاذ الشاذلي القليبي التعاون معه فقبلت وعملت على تنظيم المهرجانات بإشرافه والفرق الموسيقية وارتقيت إلى منصب كاهية مدير ثم مدير مع رئاسة اللجنة الثقافية القومية وأخيرا مديرا عاما للثقافة.

آلة صدفة وميعاد:

لا يزال صالح المهدي وهو يقترب من سنته التسعين يتساءل ـ ولا يجد الجواب القاطع ـ عن الطريقة التي استهوته بها الموسيقى وفتنته وأدخلته إلى عالمها دون أن يستطيع لصدها سبيلا، كان يظن أن كُنشه الصغير الذي يجمع فيه مختارات الشعر والألحان سيساعده على النأي بنفسه عن هذا العالم الذي لم يكن ينظر إليه يومئذ باحترام ويبقى مجرد ها ويتسلى بهوايته الموسيقية انطلاقا من مهنة القضاء التي اختارها له والده، ولكن يتساءل صالح المهدي أليس الوالد هو الذي ولّد فيّ حب الموسيقى؟

على هذا التساؤل تتكدّس الذكريات بين إرادة التمرّد على تقاليد العائلة المحافظة التي كانت تجد في الموسيقى ما يربطها بأصولها الجزائرية البعيدة وبين التخوّف من الاستجابة دون تعقّل لنداء الموسيقى الساحرة.

لقد قلنا في حلقة سابقة إن الرجل كثيرا ما ينتابه شعور بأن الموسيقى هي التي اختارته رغم أنفه وافتكته من القضاء، لكنه لا ينكر أنه هو الذي جعل هذا «الافتكاك» سهلا وهيّأ له بكل الوسائل المتاحة لديه منذ نعومة أظافره.

يقول: «لم أتعلّم العزف في بداية مشواري عن أي عازف أو معلم موسيقى. كنت أتدرب على آلات أصنعها بنفسي وأطبق عليها آلتي العود والكمنجة، ولم أكد أتجاوز سن المراهقة حتى صنعت آلة صغيرة شبيهة بآلة القانون تدربت عليها مدة، ولما صرت شابا يافعا تدربت وعزفت على مختلف الآلات وكان ذلك بمثابة تحرري من سلطة الوالد الذي كان يفرض أن أحتضن آلة موسيقية ما لم أحصل على الشهادة الابتدائية.

لقد كان إقبالي بعد ذلك على تعلم العزف على الآلات الموسيقية كبيرا وهذا ما دفعني مبكرا إلى أن أخصص حصتين إذاعيتين لتقديم معزوفات في شكل ارتجالات على آلة الناي وأن أبحث حثيثا على تشريك الشباب في ممارسة العزف الذي يبقى أساس كل دربة فنية وكل إتقان في الأداء والتعبير.

وصادف أن رافقني مرة بعض الطلبة في إحدى هذه الحصص وقدمنا حفلا تخللته تقاسيم مرتجلة نال إعجاب واستحسان المستمعين وحدث أننا لما كنا بصدد مغادرة الإذاعة إذ بأحد الهواة اليهود ينادي من الطابق الثالث ويطلب مني الصعود وكنا أحد عشر شابا وإذا بها حفلة تقام وحلويات توزع، وفي المساء ذهبت إلى نهج المرّ حيث تعودت الجلوس بدكان السيد الشريف الزريبي المقابل لمنزل الأستاذ مصطفى بوشوشة المسؤول الفني للإذاعة وإذا به ينزل من بيته بمعية مدير الإذاعة نورالدين بن محمود ليسألاني عن هذه الفرقة القيمة وليقررا أن تنظم حفلات تنقل على الهواء وطلب منا أداء قطع موسيقية لم نكن نملك تراقيمها فساعدانا على الحصول عليها وعلى كتاب لـ«البشارف» التركية وقدمنا تلك المعزوفات وتأثرت بهذا النجاح واجتهدت لتلحين مثيلاتها وكان المنطلق سنة 1944».

زمن التأسيس:

لا يتردد صالح المهدي وهو يستعيد ذكريات شبابه أن يجيبك حين تسأله عن أي عمل من الأعمال التي قام بها في الميدان الموسيقي الفسيح هو اليوم أكثر اعتزازا:

ـ “جمع التراث الوطني وتدوينه هو أكثر ما اعتز به ضمن كل ما قدمت للموسيقى التونسي”.

ثم يضيف:

انطلقت عملية جمع التراث التي كنت أشرف عليها بوصفي مسؤولا عن التعليم الموسيقي. وقد قمنا قبيل تأسيس وزارة الثقافة بنشر جانب من هذا التراث من الصفر الأول الذي خصصناه للبشارف والسماعيات التونسية التقليدية التي انتجت في عهد الملك الثالث للدولة الحسينية محمد الرشيد باي والذي أخذت الرشيدية اسمه اعترافا بمكانته الأدبية والفنية وبما قام به من جمع للتراث آنذاك وتحريضه للأدباء والفنانين لإنتاج عدد من القطع التي أصبحت بدورها تراثية تقدم إلى حدّ اليوم.

لقد كانت عملية جمع التراث التي أقدم عليها جمع الشباب المثقف وبرز ضمنهم الفنان صالح المهدي، كانت تكتسي بعدا سياسيا كبيرا قد لا يظهر لمن يقرأ هذه الذكريات. لقد كان جمع التراث جزءا هاما من المعركة التي كان يخوضها الشعب التونسي من أجل استقلاله من ربقة الاستعمار، وكان حفظ هذا التراث بالتدوين وبالممارسة عزفا وانشادا بمثابة اثبات الذات المكافحة ضد الاستلاب الثقافي والانحلال وكانت النخبة الفنية على وعي تام بدورها في تعزيز الشخصية التونسية وتقويتها واعدادها للمستقبل. وكانت الرشيدية المقر الرئيسي لتلك النخبة الفنية المجاهدة وفضاءها الذي تنطلق منه انتاجاتها وأحيانا إبداعاتها لتثبيت هذه الشخصية التونسية الناشئة على أسس التراث الأصيل.

يقول صالح المهدي مواصلا سرد ذكرياته:

في سنة 1943 عندما كنا لاجئين في ضاحية المرسى بسبب الحرب العالمية الثانية كنا لا ننقطع عن أنشطتنا في الشبيبة الدستورية فقمت بمبادرة لتعليم الموسيقى التونسية مستندا على التجربة التي حضرتها مع أستاذي الحلبي الشيخ علي الدرويش عندما زار تونس في آخر مرة سنة 1938، وقد مكنتني هذه المبادرة من ثقة في النفس جعلتني لا أتردد أن أعرض بعد رجوعنا من الملجأ على السيد مصطفى الكعاك مقترحا طالبا منه السماح لي بالقيام بتجربة في نطاق «الرشيدية» التي كان يرأسها، فإن هي نجحت تبناها وإن هي لم تنجح فهي تبقى مجرد تجربة لا أكثر ولا أقل

ومن حسن الحظ وبفضل حرص الشباب الذي اعتمدت عليه وخاصة منهم المنتمين إلى الكشافة التونسية أمكنني أن أزوّد «الرشيدية» بفرقة تقرأ الموسيقى وتعزف على الآلات ابتداء من الموسم الجديد الذي يبدأ في أكتوبر 1943.

وفي سنة 1951 عرضت عليا إدارة المعارف تسميتي أستاذا بالمعهد الموسيقي الذي كان حتى ذلك التاريخ فرنسيا بحتا وكان مقره بالبناية التي كانت تشغلها قنصلية ايطاليا عندما توحدت وإلى الآن يوجد على باب هذه البناية (نهج زرقون) الأحرف الأولى من قنصلية ايطاليا، وتمكنت بذلك من اعداد مجموعة من الشبان شاركوا في ما بعد في بناء نخبتنا الفنية وتخرج عنهم مجموعة من الطلبة اعتمدناهم لتدريس الموسيقى في المعاهد الثانوية وأعددت لهم كتابا عنوانه أصول الموسيقى التونسية في 3 أجزاء كان الجزء الثالث بالاشتراك مع أحد أعزّ أبنائي الروحيين الأستاذ علي الحشيشة، وقد ركزنا في هذه المؤلفات على الشخصية العربية الاسلامية من حيث المقامات والايقاعات والاشكال الموسيقية وإبراز مجموعة من الشواهد من التراث التونسي العربي لترسيخها لدى الشباب حتى يعتزوا بانتسابهم لهذا البلد.

هكذا ولدت «الرشيدية»:

وأنت تستمع إلى صالح المهدي يروي ذكريات السنين الطويلة مع الموسيقى، تكتشف أن الرجل لا يهتم كثيرا بدقة الأحداث وضبط الوثائق. لأن ما يهمه هو أن تعيش معه بعض ما حصل عنده من أحاسيس لا تزال مفعمة حيوية وذكاء من مسيرة دامت أكثر من ستين سنة بلا انقطاع. أنتج خلالها مئات التلاحين في كل الأنواع والأغراض وألف عشرات الكتب وأسس المهرجانات والعكاضيات…

مسيرة صالح المهدي الموسيقية يرويها كما يروي آخرون قصة مغامرة يمتزج فيها الواقعي بالخيالي والذاتي بالموضوعي ويتقدم فيها أحيانا الثانوي على الأساسي.

مغامرة بمواقعها الشهيرة وشخوصها العجيبة وتقلباتها المفاجئة. إنها رواية سحرية لحقبة رئيسية من تاريخ تونس يرويها فنان استثنائي ويقوم فيها في الوقت ذاته بدور البطل الأول.

قصة المغامرة تنطلق من أشهر عنوان الموسيقى التونسية هو المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية أو باختصار «الرشيدية». والرشيدية عند صالح المهدي هي صور ووجوه ونوادر. وإبداعات خالدة.

تنطلق قصة ميلاد الرشيدية ككل حكاية رائعة بمكيدة حاول تدبيرها بداية الثلاثينات من القرن الماضي مستشار الملك أحمد باي سليم الدزيري ضد الأستاذ مصطفى صفر رئيس الجمعية الناصرية التي كانت تعنى بالموسيقى النحاسية إثر خلاف بين الرجلين اللذين كانا يعدان من أعيان الحاضرة.

يقول صالح المهدي نابشا في ذكرياته “إن مستشار الملك استغل عاهة عند مصطفى صفر تتمثل في شلل بيده اليمنى تجعله دائما يركزها على عصا وعند ارتدائه لباس المناسبات يركزها على سيفه، فوشى به سليم الدزيري إلى أحمد باي قائلا انظر كيف يعمل على عدم احترامك بوضع يده على السيف بحضرتك وواصل المستشار كيده ضد رئيس الجمعية الناصرية من ذلك أنه عند نزول الباي إلى تونس تعترضه الجمعيات النحاسية فلا يقع استدعاء فرقة الناصرية قصدا ليقول المستشار للملك أنظر كيف أن الجمعية التي يترأسها أحد المقربين إليك تخلفت عن واجب الحضور والمساهمة باستقبالك بالحاضرة”.

في هذه الظروف بدأ الأستاذ مصطفى صفر يفكر في البحث عن بعث نشاط يجنبه مكائد مستشار الملك. وقد صادف أن أشار البارون دير لونجاي Baron d›Erlanger السويسري ذي الاهتمام المعروف بالموسيقى التونسية على معاونه ومستشاره عمر البكوش شقيق رئيس الوزراء آنذاك صلاح الدين البكوش ليطلب من إدارة المعارف تخصيص منحة 20 ألف فرنك لجلب الموسيقار الحلبي علي الدرويش لتدريس الموسيقى العربية في سنة 1930، وذلك بعد أن قامت هذه الادارة بجلب عدد هام من اسطوانات الموسيقى الكلاسيكية الغربية وتوزيعها على المدارس الثانوية لإسماع التلاميذ هذا النوع من الموسيقى.

في أثناء ذلك تكونت علاقة غرامية بين مدير المعارض M.Gau وامرأة تونسية يهودية زوجة أحد الأطباء المشهورين وحُوّل المبلغ الذي رُصد في السنة الموالية لإعادة جلب الشيخ علي الدرويش إلى منحة لهذه المرأة حتى تشكل «فرقة ممتازة» والسفر إلى فرنسا لتسجيل أغنيات من التراث التونسي، وقد تم ذلك وكانت الفرقة تضم في ما تضم الشيخ خميس الترنان والشيخ محمد غانم مع عناصر يهودية مشهورة على رأسهم عازف الكمنجة خيلو الصغير ومسعود حبيب عازف القانون. وتم التسجيل وصدرت الاسطوانة فإذا به يستحق أن ينطبق عليها المثل التونسي «الدفينة حامية والميت فار» لأن صوت هذه المرأة غير مقبول في أي مدرسة من مدارس الغناء العربي، وأطلقت هذه المغنية على نفسها اسم «زمردة العلجية» وشكلت جمعية وهمية لقبول المنحة وتصرفت فيها ما شاءت وقام مدير ادارة المعارف بالإشارة الى الكتابة العامة للحكومة حتى ترسل منشورا الى القياد لحثهم على توصية جميع المقاهي والمؤسسات الثقافية بشراء هذه الاسطوانة وكان ذلك سنة 1934 اي بعد سنتين من صدورها ولم تُبع منها أي نسخة.

احتجاجا على هذه الحادثة المسيئة للموسيقى التونسية استقال الاستاذ مصطفى صفر من رئاسة الجمعية الناصرية ودعا الى عقد جلسة عامة بالجمعية الخلدونية ضمت عددا هاما من المثقفين والفنانين والمسؤولين لإحداث جمعية موسيقية استجابة لتوصية صدرت عن المؤتمر الاول للموسيقى العربية الذي انعقد بالقاهرة سنة 1932.

وتشكلت لجنة ادارة برئاسة المرحوم مصطفى صفر ولجنة أدبية برئاسة شيخ الأدباء محمد العربي كبادي ولجنة فنية برئاسة الشيخ محمد الأصرم الذي عوّض فيما بعد بالأستاذ محمد التريكي الذي تدخل خميس الترنان لجلبه لأنه يحسن الكتابة الموسيقية.

ومن أخبار بعث هذه الجمعية قيام بيرم التونسي بحملة ضد مصطفى صفر والمطربة شافية رشدي التي كانت الوحيدة التي استجابت للمشاركة في التأسيس، وتركزت الحملة على اسمي «دقنوس» و«دقنوسة» في جريدة الشباب مع كاريكاتور تشبه شخصيهما الى ان رد مصطفى صفر الفعل بواسطة صديق والده بشير صفر الذي كانت له مكانه خاصة في الحكومة الفرنسية ووقع طرد بيرم التونسي من الإيالة التونسية ولإبعاد كل شبهة عنه أعلن مصطفى صفر عن مناظرة لقبول مطربات أخريات الى جانب شافية وشاركت في هذه المناظرة مطربة تدعى «دليلة» وأخرى تدعى «جنات» وهي يهودية و3 مطربات أخريات منهن الفنانة زهرة فايزة وقد قام المهندس رشيد بن مصطفى (ولد وزير الثقافة الأسبق زكرياء بن مصطفى) بإلقاء دروس في العربية وفي الفقه الحانفي، واستفادت من هذه الدروس الزهرة فائزة التي تحولت بفضل ما تعلمته الى نجمة من نجوم المسرح التونسي.

وهكذا كان ميلاد الرشيدية «سنة 1934 لتكون منارة اشعاع للموسيقى التونسية بل والمغاربية».

صالح المهدي رئيسا للرشيدية:

تأسست «الرشيدية» وتركزت ضمن المشهد الثقافي التونسي الذي كان يعيش حركية كبيرة تبشّر بتحوّل فارق في تاريخ التونسيين سيفضي بهم إلى الاستقلال.

كانت النخبة بكل أطيافها تعيش حلم الاستقلال وتجد فيه طاقة خارقة للإنتاج والابداع وكان على رأس هؤلاء الشعراء والملحنون والمغنون الذين انضمّوا دون تردّد ولا انتظار إلى مشروع تونس الجديدة التي كانوا يرونها في كفاح وتضحيات زعمائهم السياسيين.

دخل صالح المهدي «الرشيدية» من أبواب عدّة من باب صداقاته المتينة مع مؤسسي ومسيري هذه المؤسسة الثقافية ودخلها كذلك من باب ملازمته لكبار الفنانين ودخلها أخيرا من باب نبوغه كملحّن قادر أن يوفّق في أعماله بين أصالة الانتماء إلى التراث التونسي وبين مقتضيات الاتقان للتقنيات الموسيقية الحديثة التي بدأت تنتشر عبر المذياع والاسطوانات وبدأت تنتشر في الأوساط الشعبية، لكن صالح المهدي يؤكد أن الباب الحقيقي الذي دخل منه للرشيدية هو باب تأليف الكتب يقول:

لم يكن تأليف الكتب في الموسيقى أمرا شائعا لذلك بادرت بنشر كتاب عن الشيخ أحمد الوافي شاركني فيه بالكتابة الأستاذ عثمان الكعاك.

ولما تأسست الاذاعة واستقرت بعمارة «الكوليزي» عملت على أن يكون للرشيدية الحضور المتميز في برامجها وتحقق ذلك في تقديم حفلات دورية تبثها الاذاعة. كما كانت تخصّص برنامجا مميزا لنقل الحفل السنوي للرشيدية بالمسرح البلدي بالعاصمة. ولما استقرت الاذاعة في مبناها الرسمي وأصبحت لها برامج موسعة وعهد بإدارة القسم العربي فيها للأستاذ عثمان الكعاك وإدارة الموسيقى للأستاذ مصطفى بوشوشة تعدّدت مساهمات الرشيدية وأصبح حفلها الأسبوعي المجاني الذي كان يقدّم في دارها بنهج الباشا ثم بُعيْدَ الاستقلال بقاعة أحمد الوافي بشارع باريس ينقل مباشرة على الهوى ويستمتع بالاستماع إليه عدد كبير من هواة الموسيقى التونسية التي أصبحت تتمتع بقاعدة شعبية متزايدة يوما بعد يوم.

لم يكتف صالح المهدي المتقد حيوية وطموحا بدور الملحّن لفناني المعهد الرشيدي بل ومع تنامي وتعدّد مسؤولياته في كل من ميداني التعليم والثقافة أصبح يطمح إلى دور أكبر في توجيه المسار الثقافي لتونس الجديدة كذلك لم يلبث أن أصبح رئيسا للرشيدية.

يصحح صالح المهدي فيقول: «لم أكن أرغب في الرئاسة وكنت متردّدا في أول الأمر لكن رئيس الرشيدية مصطفى الكعاك الذي خلف مصطفى صفر على رأس هذه المؤسسة ألح عليّ بالقبول قائلا: أنت متمكن وقدمك راسخ في العناية بهذه الجمعية فإذا لم تقبل رئاستها قد تأتي من لا تكون له دراية ولا معرفة ويسير بها إلى ما لا تحمد عقباه ـ عندها قبلت وتحمّلت رئاسة الرشيدية لمدتين من سنة 1970 إلى 1978 وقد واصلت وأنا على رأس الرشيدية انتاج الأغاني التي انطلقت حركيتها سنة 1943 حين نظم صديقنا الأستاذ نور الدين بن محمود ـ عندما عين مديرا للقسم العربي للإذاعة ـ مسابقة لإنتاج الأغاني التي لا تتناول الحب والغرام والتي تتصل بالصناعات التقليدية. لم أشارك وقتها في هذه المسابقة ولكني لحنت لأحد المناضلين المجاهد المرحوم العيد الجباري الذي كان الوحيد الذي اشترك مع الزعيم بورقيبة في التمسك بالاستقلال وعدم التراجع في المبادئ كما أعلن عن ذلك بورقيبة نفسه.

تقول الأغنية:

بالصنعة الأمة تتقدم وتنال المقصود العالي..

واللّي ما يعرفش آش يخدم يبقى ديما جيبو خالي

بعد ذلك لحنت أغنية للمرحوم الحاج عثمان الغربي تقول كلماتها: ـ مريض فاني طال بيّا دايا من عين كحلة هذوبها كوّاية ـ وهي شائعة في الوسط الفني إلى الآن وكثيرا ما يعلن عنها غلطا بأنها من التراث.

ولحنت بعدها من تأليف الأستاذ أحمد خير الدين طالعها:

يالّي تلوم على اللّي حبا لازم عمرك ما حبّيت

لو تعشق ويخون الحِبّ تعود تعذر إذا تكويت

 

وقد غنّت الأغنية الأولى الفنانة صليحة وغنت الثانية الفنانة فتحية خيري.

ودخلنا بعد ذلك في مرحلة الانتاج الغزير.

عبد الجليل المسعودي 

 

المصدر: الشروق، 18-19-23-25-27-28 سبتمبر 2014، ص19.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى