رأي

لم لا يصارح السبسي التونسيين بحقائق ملف العائدين من بؤر التوتر

 

 

2016-11-13_zoom_cellule_terroristes

 

 

دون أي مقدمات وفي تصريح خارج البلاد، في بروكسيل، في وسيلة إعلام أجنبية، أعلن الرئيس السبسي عن ما يشبه القرار في مسألة حساسة للغاية في الأمن القومي: لن يتم سجن العائدين بناء على ما قاموا به بل بناء على المساحة السجنية المتوفرة، إذ قال بالحرف إنه لا يوجد ما يكفي من السجون للعائدين من التونسيين من التنظيمات الإرهابية الناشطة خارج البلاد. كان ذلك موقفا لامسؤولا ولا يعكس عقلية تنظر لهذه المسألة بشكل استراتيجي بل أمني ضيق. لا أدري لم لا يصارح السبسي التونسيين بعدد من الحقائق في هذا الملف، خاصة بعد هذه البداية المرتبكة في الطرح الإعلامي لمسألة العائدين من بؤر التوتر. والأهم أن يبني سياسته على أسس المصلحة الوطنية أساسا، حيث لا نحتاج لأي ضغوط خارجية لصياغة موقفنا الرسمي في هذا الملف.

ومن بين هذه الحقائق أن السبسي يواجه التزامات وضغوط خارجية في هذا الملف. من بينها تصويت تونس على قرار للمجلس الأممي لحقوق الإنسان في دورته الواحدة والثلاثين في مارس 2016، الذي ينص على “مواجهة الأيديولوجيات الإرهابية”، وتبني منهجية “التأهيل وإعادة الإدماج” للعائدين، ويركز في هذا السياق على “الدور الإيجابي لمركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية”. يأتي ذلك في سياق توصيات سابقة أممية، من بينها التوصية رقم 58 في تقرير الأمم المتحدة حول موضوع العائدين الصادر في ماي 2015.

وآخر التوصيات التي تم تخصيصها لتونس، هي تلك الصادرة في تقرير لجنة العلاقات الخارجية للبرلمان الأوروبي بتاريخ جويلية 2016  “حول علاقات الاتحاد الأوروبي بتونس في الظرف الإقليمي الراهن”، وتحديدا في النقطة 51 التي تتحدث بصريح العبارة عن “دعوة الحكومة التونسية لاعتماد استراتيجيات للتعامل مع العائدين من المقاتلين الأجانب، من خلال دمج الإجراءات العقابية والوقائية ببرامج نزع الراديكالية وإعادة الإدماج؛ لكي يتم منحهم إمكانية الإندماج في المجتمع وتلافي أي مخاطر مستقبلية”.
هذا الإطار الدولي الذي يدفع في اتجاه استراتيجيات متكاملة، هو في الحقيقة وأساسا يتوافق مع مصالحنا الوطنية، المشكل أن السلطة الحالية ليس لها اهتمام باعتماد استراتيجيات مفصلة وجدية في هذا الملف، وهي تقف عارية أمام الضغوط الخارجية، ومن هنا يأتي ارتباك الرئيس التونسي.

يجب طبعا أن نذكر أساسا بالمحددات الدستورية ومشروعيتها، وهو ما أجمع عليه فقهاء القانون الدستوري المرجعيين وآخرهم عياض بن عاشور. فالفصل الدستوري الذي يرفض إسقاط الجنسية هو لمنع توظيف السلطة من قبل أي نزعات نحو الاستبداد لضرب حق طبيعي، وهو حق الانتماء وحق السفر وبسبب التجربة الطويلة للاستبداد في التلاعب بحق التونسيين من كل الأطياف الفكرية في جواز السفر، إذ إن فتح هذا الباب اليوم يمكن أن يفتح الباب مجددا في المستقبل لما كان يتم في الماضي. في حين أن المسألة لا تحتاج أصلا لطرح مسألة التعديل الدستوري لأسباب عملية ومصلحية.

نمر للجانب العملي البراغماتي للدفاع عن موقف “جلب” (عوض الحديث عن “قبول عودة” الذي يوحي بسلوك سلبي) المشتبه بهم في الإرهاب.

أولا، لا يمكن لتونس الحفاظ على علاقاتها مع محيطها الدولي ومنها أطراف أساسية نرتبط معها أمنيا واقتصاديا ألا بتحمل مسؤولياتنا، وعليه لا يمكن لنا أن نتخلى عن مسؤولياتنا الأمنية تجاه حاملين للجنسية التونسية من المشتبه بهم في الإرهاب؛ لأن ذلك سيؤثر ضرورة على قابلية الأطراف الدولية في التنسيق الأمني معنا، وفي طبيعة علاقتنا معها عموما. يتم كل ذلك أساسا ضمن إطار قانون مكافحة الإرهاب، وترتيبات خاصة للمراقبة الإدارية في حالات محددة. المفارقة بالمناسبة أن الحزب الحاكم يرسل رسالة سلبية عندما يتنصل من مسؤوليات الدولة تجاه الخارج، وأيضا يتعامل مع الحزمة القانونية القائمة وعلى رأسها القانون الذي صوت عليه لمكافحة الإرهاب، كأنها قوانين غير ذات جدوى.

ثانيا، هناك مصلحة أمنية مباشرة في جلب المشتبه بهم في الإرهاب، وهو ما تقوم به كل الدول ذات الاستراتيجيات الأمنية الجدية. إذ إن هؤلاء مخازن للمعلومات والمعطيات ومن الضروري جلبهم وإيقافهم احترازيا وفق القوانين والضوابط القائمة. ويقوي ذلك موقعنا كطرف يملك المعلومة ليس في مكافحة التهديدات الإرهابية المحلية فحسب، بل أيضا في المساهمة في مكافحة الإرهاب إقليميا ودوليا بما يقوي موقعنا مع الأطراف الدولية.

ثالثا، من مصلحة تونس خوض تجربة جدية في “نزع الراديكالية” و”التأهيل” إذ إنه يعزز استقلاليتنا وجاهزيتنا المحلية في مواجهة المخاطر الإرهابية، ويساهم في تطوير قدرتنا على بناء مواطنة ذات هوية سليمة منغرسة في ثقافتها ومفتحة على الخارج دون عقد. ومن الضروري الإشارة أيضا إلى أن الدول التي خاضت بنجاح متفاوت هذه التجربة، أصبح لديها نفوذ مهم إقليميا ودوليا في هذا الملف. المبادرة لذلك أيضا مهمة لتحصيل الدعم المادي الدولي لأي برنامج جدي للتأهيل.

أخيرا، ضمن هذه المبادئ، يمكن أن نقترح ما يلي من الإجراءات لتفعيل النقاط أعلاه بشكل ناجع:
أولا، طلب دعم دولي لتعصير أمن الحدود سواء عبر تجهيزات التعرف على الهوية عبر الوجه والبصمة، أو عبر تعزيز المراقبة الإلكترونية على المعابر الحدودية؛ (يجب أن يتم التدقيق في مشروع المراقبة الإلكترونية، الذي تم إنجازه ومدى نجاعته على مستوى معبر راس جدير).

ثانيا، إصلاح المنظومة السجنية في اتجاه تفعيل ما تم ذكره في استراتيجيات 2014  أي قطب سجني خاص يعزل المشبته بهم عن سجناء الحق العام؛ (لتلافي ما يحصل أحيانا الآن، وهو توسع دائرة التطرف داخل السجون)، وأيضا للتعامل مع المشتبه بهم فوق أصناف مختلفة حسب درجة الخطورة؛ إذ يتم عزلهم بعضهم عن بعض وفقا لذلك؛ لكي يتم إضعاف رابطة “الجماعة” والتضامن الداخلي لديهم.

ثالثا، وفقا للتصنيف الذي يمكن أن ينبثق من التصنيف السجني أعلاه، يتم تحديد العناصر التي يمكن أن تخضع لعملية تأهيل عقدي. وهنا من الضروري الاستفادة من تجارب أخرى ولعل أهمها التجربة المغربية (الأقرب من حيث الظروف لما لدينا)، في تخصيص أئمة ووعاظ (ليس ضرورة من تونس فقط)، مختصين في مقارعة الفكر السلفي الجهادي بتفرعاته المختلفة. من الضروري أن يتم جزء من هذا البرنامج على مستوى إعلامي، من خلال عرض شهادات من قاموا بالتراجع عن هذه الأفكار للتأثير في البقية. في كل الحالات يجب أن تبقى هناك متابعة أمنية مضبوطة ومعلنة للعناصر التي يتم إطلاق سراحها. وهنا من الضروري إعادة تفعيل معهد الأئمة، الذي تم إحداثه ودعمه ماديا وسياسيا.

رابعا، طلب دعم دولي لبرنامج تأهيل اجتماعي للمشتبه بهم ممن ثبت عمليا إمكانية تراجعهم عن معتقداتهم التي تسوغ للعنف. وربما أفضل صيغة هي إعادة الرسكلة على مستوى تعليمي عوض إعادة تشغيلهم.

 

 

عربي 21 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى