بورتريه

من مؤسسي التلفزة التونسية :محمد المغربي يرحل في صمت

 

 

668_334_1482360306

 

 

بعيدا عن الاضواء، وفي صمت كبير انسحب الاحد الماضي الاعلامي الكبير محمد المغربي عن هذه الدنيا، دون صخب أو ضجيج سوى دموع وتأوهات البعض من الاصدقاء الخلص وافراد عائلته.

رحل محمد المغربي أحد الاعمدة و مؤسسي التلفزة التونسية في 1966. فقد كان من الاوائل الذين اشرفوا على ادارة البرامج بمعية الاستاذ حسن دلدول… كان مثال العطاء الابداعي دون مواربة او موالاة.و كان حريصا على ان تكسب التلفزة التونسية رهان الاعلام المرئي الوطني على المستوى العالمي، فانبرى بكل جد واجتهاد على ان يكون للتلفزة الوطنية حضورها المبهر والمتميز وهو هدفه الذي ناضل واشتغل وسهر الليالي من أجله .
ومع بلوغ سن التقاعد القانوني، انسحب الفقيد في صمت ليواصل طريقه الاعلامي بكل جد واجتهاد وليكون رفيق درب الاستاذ الشاذلي القليبي في مهامه سواء في الجامعة العربية أو من خلال مواكبته الدائمة ومرافقته الخاصة له بعين الحصيف المبدع وصاحب المواقف النبيلة والدقيقة والطموحة.
وحتى عندما اصيب برحيل رفيقة الدرب نزيهة المغربي منذ اكثر من عشر سنوات، تسلح محمد المغربي بالصبر و الايمان بقضاء الله وقدره وواصل رسالته الاعلامية بكل جد واجتهاد ووفاء للراحلة التي كانت سنده في الحياة، وهي اول مذيعة اعلنت عن ميلاد التلفزة التونسية.
عاش محمد المغربي حياته بعد رحيل نزيهة مخلصا لها، وفيا لسنوات طويلة عاشها معها.وكان حريصا في كل سنة على احياء ذكرى رحيلها، فقد كان يتصل بالأصدقاء والاحبة ووسائل الاعلام للتذكير بأن يوم 2 ديسمبر من كل عام هو يوم الحزن على رحيل رفيقة الدرب نزيهة المغربي.
رحل محمد المغربي في صمت، وفي غياب واضح لمؤسسة التلفزة الوطنية للإعلان عن هذا المصاب الجلل.
من مواقف الراحل
تراني أستحضر موقفا له كان صرح به وكشفه لي عندما سعيت الى الحديث اليه عن ذكرياته في رحلته مع التلفزة التونسية في خمسينية التأسيس ـ فقد اختارت الادارة العامة السابقة اعداد مؤلف يجمع شهادات الرواد الاوائل الذين اشرفوا تقنيا وانتاجا وادارة على وضع حجر الاساس للتلفزة الوطنية بداية من 1965 حتى موعد الانطلاق الرسمي يوم 31 ماي 1966 ,,, مشروع تم الاشتغال عليه بكل جدية بإشراف وتنسيق الكاتب عبد الجبار الشريف ، حيث تم تكليفنا بإعداد كتاب يؤرخ لخمسين سنة من عمر التلفزة ويضم شهادات للرواد خاصة من مسؤولين ومنتجين وتقنيين واكبوا مرحلة التأسيس الى اليوم ومن ضمنهم الفقيد محمد المغربي الذي صرح ممتنعا عن الادلاء بشهادته قائلا « انك تحرث في البحر.. هذا الكتاب لن يظهر الى الوجود ولن يكتب له الصدور…. لذا ارجوك إعفائي من تقديم شهادتي لأننا نعيش عهد الجحود و التنكر للرواد… سيتم التصدي لهذا المؤلف والايام بيننا…».
وصدقت نبوءة الراحل حيث وقع التصدي لهذا العمل التوثيقي. بل تفنن هؤلاء «المتصدون» في الحط من قيمة هذا المؤلف… ومرت خمسينية التلفزة التونسية شاحبة، قاتمة. لكن مازال الوقت مناسبا لإعادة النظر في هذه الوثيقة الهامة، ناهيك ان المركز الوطني للسينما والصورة الذي احتفل بخمسينية السينما التونسية قد اعتمد نفس الطريقة التي اعتمدناها وهي انتهاج اسلوب الشهادات كما ان معهد الصحافة وعلوم الاخبار يفكر في اعتماد نفس الشكل لمختلف المؤسسات الاعلامية في تونس لتوثيق مسيرتها فهل تعيد التلفزة التونسية النظر في هذا الكتاب وتفرج عن وثيقة هامة تضم شهادات نادرة لرواد التلفزة قبل ان توافيهم المنية؟.
واليوم ها ان محمد المغربي يرحل عن هذه الدنيا دون كلمة وداع او حتى اشارة بسيطة من هؤلاء الذين يدعون ارتداء ثوب الوفاء للرواد… انه الجحود..

 

محسن بن أحمد

الشروق : 22 ديسمبر 2016 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى