تحاليل

مسار الإصلاح التربـوي بين التبصّـر والتعثّر

 

 

668_334_1482182994tion3

 

تعاقبت على نظامنا التربوي مجموعة من الإصلاحات منذ فترة الاستقلال، وهي إصلاحات أملتها عوامل عديدة، أهمها الحاجة إلى الاستجابة لمتغيرات الواقع ومتطلبات المستقبل.
ولا يشذ الإصلاح التربوي الحالي على هذا النهج بل هو مواصلة لمسار تاريخي راكم نجاحات مشهود لها مكنت من إنتاج أجيال متعلمة ساهمت بقدر كبير في بناء الدولة الحديثة. وقد فرضت المستجدات الداخلية والخارجية التي يعيشها المجتمع التونسي إعادة النظر في ما تحقق ومزيد تحسين الجودة وفق  المعايير الدولية للتربية الجيدة.
إن الناظر إلى تلك الإصلاحات وكيفية تفعيلها يسترعي انتباهه  أن التوجهات العامة والغايات التربوية المتصلة بملامح خريج المدرسة تقريبا هي ذاتها وهي محل إجماع كل المهتمين بالشأن التربوي، وقد  كانت النصوص المرجعية  لعملية الإصلاح مجال اتفاق واسع، لكنه يتبين  أن الخلل غالبا ما يرافق عملية  تفعيلها وتأصيلها في محيطها بالقدر الكافي، تأصيلا يعبئ كل الطاقات والموارد لإنجاز التغيير المنشود.
لذلك شهدت عديد الإصلاحات تعثرا أدى إلى نوع من الانتكاس في عملية تجسيم الأهداف المرسومة وبلوغ الغايات التربوية المرتقبة، لأن الإصلاح ليس مجرد نص محكم التبويب والصياغة بل هو فلسفة الفعل المتناغم لبلوغ الأهداف وذلك باعتماد المسار الملائم الذي يحدد الأولويات ويضبط المداخل السليمة ويهيئ المناخ العلاقي المناسب لضمان انخراط كل المتدخلين والتفافهم حول المسار.
وهنا تكمن الصعوبة وتتجلى القدرة على رفع التحدي في التعامل مع إكراهات الواقع المعقد  قصد تحقيق الملاءمة بين التصور والممارسة.
ما جرنا للحديث عن ذلك هو ما يحدث اليوم في مستوى المسار الإصلاحي الحالي الذي انطلق في جزئه التنفيذي بداية من سنة 2016 وما لاح من طلائعه يطرح التساؤل: إلى أي حد انسجمت بعض الخطوات الأولى للمسار مع الأهداف الاستراتيجية المرسومة وما وجاهة تلك الخطوات لتحقيق الجودة المرجوة من عملية الإصلاح وتثبيت  المسار وإسناده؟
أسئلة تطرح هنا وهناك بين الفاعلين التربويين وفي صفوف التلاميذ  والمهتمين عامة بالشأن التربوي، وهي تعبر عن هواجس ترتقي أحيانا إلى مستوى القلق على المسار برمته.
لا شك أن الإصلاح مازال في بداياته ولكن البدايات مهمة في توجيه المسار ككل كما ذكرنا آنفا لأنها مؤشر على سلامة المسار يبعث رسائل طمأنة للمتدخلين والشركاء وللرأي العام عامة بأنّ المسار يسير في الاتجاه الصحيح وبالنسق المطلوب.
ولعل بعض الإجراءات المتخذة تدخل ضمن هذا المسار وفي الآن نفسه تعطي إشارات لكل تلك الأطراف. من هذه الإجراءات على سبيل المثال الزمن المدرسي والفترات التقييمية وهي إجراءات تسعى للتلاؤم مع الإيقاع الاجتماعي من ناحية ومع  معايير الجودة العالمية من ناحية ثانية، لكن لا يغيب عن الأذهان أن النظر في هذين العنصرين على أهميتهما هو رهين عامل جوهري محدد وهو طبيعة الفعل التعليمي ذاته وما يتعلق به من مقاربات بيداغوجية تشكل ملامح الإنسان وتساهم بشكل أساسي في نحت شخصيته، إذ بين جدران الفصل يتحدد بقدر كبير مستقبل الأجيال وبممارسة المدرس يتم البناء الحقيقي لعقول الناشئة، وهذا هو الهدف الاستراتيجي الأول الذي يجب أن يقود عملية الإصلاح ويوجهها فهو الجوهر والأصل وما عداه فروع له مساعدة له.
لذلك لا يمكن الخوض في زمن التعلم ومسألة التقييم قبل حسم الجانب البيداغوجي من حيث المقاربات التعليمية والمناهج وهي الكفيلة بتحديد الزمن الضروري للتعلم وأنماط التقييم وكيفياته وليس العكس، فمنطق الأشياء يقول أن نبدأ بالأصل قبل الفرع لأن الأصل هو الذي سيحدد طبيعة الفرع. وليس من الوجاهة أن الخوض في المسائل الفرعية بدعوى إطالة فترة التعلم أو تباعد فترات التقييم بمعزل عن القضية الجوهرية وهي العملية التعليمية التعلّمية وما يتصل بها من مقاربات ومناهج وغيرها من المتعلقات.
ولعلنا في هذا السياق نتفهم بعض ردود الأفعال من هنا وهناك لاسيما من التلاميذ وهم مركز الفعل التربوي وغايته ومنتهاه. فالتلميذ الذي يَقيّم على كم المعارف وعلى عملية استحضارها في فترات تقييم متباعدة يجد صعوبة في الاستعداد للامتحانات أمام تراكم المحاور والمفاهيم المدروسة لأن نظام الامتحانات الحالي مبني على القيس الكمي للمعارف بالأساس سواء من حيث نمط التقييم أو من حيث فتراته وليس على مهارات التلميذ وكفاياته في الفهم والتصرف في المكتسب من المعارف لحل المشكلات.
فالجدوى لا تقاس بالزمن وحده بل بكيفية الممارسة البيداغوجية، لذلك فإن ضبط الزمن المدرسي بغاية إطالة فترة التعليم والتعلم ليس غاية في ذاته ما لم تسبقه مراجعة حقيقية للمقاربات التعليمية المعتمدة.
هذا التناقض الذي وقعت فيه تلك الإجراءات وظهرت في سلوك التلاميذ الرافض لبعضها قد أوقع العملية التعليمية بمكونيها التكويني والتقييمي في نوع من التنافر  وأوقع المسار الإصلاحي في انتكاسة منهجية واضحة  كما أوقع التلميذ في حالة اضطراب وحيرة  مبررة بيداغوجيا وهذا من شأنه أن يعرض المسار برمته إلى الشك.
فإذا لم تع المنظومة أن الإصلاح الجوهري يتعلق بتغيير الأنموذج التعليمي المبني على شحن العقول وتكديس المعارف، هذا الأنموذج الذي نمّط الفكر في قوالب جامدة لم يعد مجديا في زمن صارت فيه المعرفة متاحة ومتجددة بين اللحظة والأخرى.
وإذا لم تشتغل به المنظومة كأولوية قصوى قصد البحث عن نماذج تعليمية تحرر عقل الطفل وتشحذ قدراته على النقد والابتكار وتساعده على امتلاك أدواته الذاتية في بناء معرفته بشكل مستقل عن التوجيه المفرط واعتباره مجرد آلة لحفظ المعارف وترديدها للحصول على الجزاء في غياب العمل على هذه الأولوية المطلقة تبقى الإجراءات المتخذة معزولة عن سياقها المنهجي وبعيدة عن الهدف الرئيسي وهو تطوير جودة التعلمات وتحسين النتائج.
وهذامايستدعي مراجعة عميقة تنطلق من الهدف المفصلي الذي يمثل قاطرة أي إصلاح حقيقي وفي ماعدا ذلك يكون الحديث عن التقييم وعن الزمن المدرسي سابقا لأوانه ومجانبا لمنطق الأشياء وللتمشي المنهجي ونوعا من القفز إلى الأمام دون أساس صلب متين يحمي المسار ويشد إليه جميع الأطراف بل يمثل رسائل سلبية تؤثر في المسار برمته وبدرجة الالتفاف حوله من خلال حسن اختيار المداخل السليمة والوجيهة او ما يطلق عليها بالمفاصل الكبرى والنواة الصلبة للإصلاح وهو الفعل التعليمي ذاته.
هذا الهدف الذي يشكل حجر الزاوية في كل تغيير مرتقب وكل ما عداه وسائل تساعد على تحقيقه ولا يمكن الحديث عن الوسائل إلا من خلال علاقتها به ودورها في دعمـــه فهـــي مجـــرد لواحـــق يتوسل بها لنجاح الفعل التعليمي، لذلك نقول إن المسار وإن كان في بداياته إلا أن دقة المرحلة تستوجب مزيدا من التبصّر في تحديد.
الأولويات وعدم اتخاذ إجراء ت, لا تبدو في انسجام داخليا مع منهجية المسار العقلاني، وخارجيا مع محيطها من خلال بناء نوع من الثقة المتبادلة مع بقية الفاعلين في الحقل التربوي لغاية تقوية المسار وحمايته من أي انتكاسات أو اهتزازات يمكن أن تؤثر سلبا في كل المسار.
إن النظـــــــــــــــــــر في الاشتغـــال المنظــومي يستوجب منهجـية تـــأخذ بعــين الاعتبـار الأولويات والتمفصل القائم بين  مختلف المكونات وما يمكن أن يحدث بينها من تفاعلات داخلية وبينها وبين محيطها والإصلاح التربوي لا يجب أن يغفل سمات هذا الاشتغال سواء في نحته للتصور او في عملية تنفيذه وما يستوجبه ذلك من أهمية ودقة في التماسك الداخلي المسار او بينه وبين المحيط.
ونأمل أن ينظر للمسألة من منظار أكثر شمولية ترتب الأهداف وفق الأهمية وترتقــي بخطـة التنفيــذ إلى مســتوى النجــــاعة والفاعلية المنتظرة وليس مجرد إجراءات مجزأة ومبتورة لا تعدو أن تكون رتقا لشقوق أو سدا لفجوات بخطوات تبدو غير مبررة منهجيا.
ويبقى الإصلاح مشروع بناء مستقبل مجتمع بأسره ووضع كل حجرة في هذا البناء هي عملية تركيب دقيقة تجمع بين الحفاظ على تماسك البناء ككل ودقة اختيار كل خطوة في عملية البناء. وكلما كان الأساس متينا والتسديد صائبا كانت النتائج مضمونة.

 

بقلم د. نورة يوسفي باحثة في الشأن التربوي
الشروق : الثلاثاء 20 ديسمبر 2016
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى