إصدارات

كتاب “بنادق سائحة”.. تونسيون في شبكات الجهاد العالمي” لأحمد نظيف : الإرهابي.. “حصيلة لفشلنا الجمعي والفردي” !

 

 

 

livre_5

 

يقول د. أحمد المناعي في خاتمة تقديمه لكتاب الكاتب الصحفي أحمد نظيف ”بنادق سائحة.. تونسيون في شبكات الجهاد العالمي“٬ عندما يصدر هذا الكتاب ستكون سوريا خطت خطوات بعيدة في طريق النصر على المخطط الصهيوني الأمريكي الأوروبي التركي المدعوم عربيا.. وسيبدأ بعده فتح ملفات شبكات تسفير الإرهابيين إلى سوريا وسيعرف التونسيون٬وقتذاك٬ من كان وراء الأعمال الإجرامية التي ارتكبها بعض أبنائهم في حق الشعب السوري.“ كتاب احمد نظيف الصادر عن منشورات المعهد التونسي للعلاقات الدولية٬ يجيب عن أكثر الأسئلة إحراجا لنا كمجتمع ظن لعقود أن شبابه محصّن من كل أفكار التطرّف والغلو٬ شباب متحرّر ومح ّب للحياة.. كيف له أن يتحوّل في أشهر إلى شباب مهووس بالقتل يتفنّن في السحل والتنكيل بالجثث ويبرع في قطع الرؤوس والأطراف؟ لكن أحمد نظيف يصدمنا بإجابة قاطعة و“مؤلمة“ هي عصارة مجهوده ككاتب لكتاب قال عنه صاحبه انه ليس بحثا علميا يخضع للمقاييس المعروفة لدى الباحثين الأكاديميين٬ كما وأنه ليس تأريخا للظاهرة الجهادية في تونس٬بل هو عمل صحفي يرتكز على كل أجناس الكتابة الصحافية.

حيث يقول ”أن ”الجهادي“ ليس كائنا غريبا نزل فجأة على كوكبنا“ ويضيف مؤكّدا ”هو حصيلة فشلنا الجمعي والفردي٬هو التجلّي الواضح للفشل الذي عشناه ومازلنا نعيشه لجهة علاقتنا بالله وبالدين وبالحاكم وبالآخر المختلف دينا وعرقا٬صديقا كان أو خصما.“ أحمد نظيف يضيف ”أننا سنواصل السير في درب الفشل ما لم نقرّر التغيّر٬ولن نُقرّر ذلك ما لم نتحمل مسؤوليتنا عن الفشل والكف عن البحث عن شماعات نعلّق عليها خيباتنا المتراكمة في العائلة والمجتمع والدولة“. ولعل الإشكالية التي غاص فيها وسبر كل أغوارها وتفاصيلها واحتمالاتها٬ هي هذه ”الهجرة للقتال“ تحت مسميات مختلفة كـ“الجهاد“ أو ”الكفاح“ أو حتى ”الاسترزاق“ والتي عادة ما يكون فيها هؤلاء ”الجهاديون“ ”معاول تنفيذ“ لحرب في النهاية ليست ولن تكون حربهم٬ولكنهم يضفون عليها وهجا من القداسة وهالة من التمجيد لمصالحة بقايا ضمير يتسرّب من بين أصابعهم كحبات الرمل مع أوّل رصاصة يوجهونها إلى جبهة رجل أعزل أو قلب طفل أو صدر امرأة ما… الكتاب تح ّدث عن فرضية عودة متوقعة لهذه ”البنادق السائحة“ كما س ّماها والتي جابت العالم لتحصد أرواح الأبرياء٬العزّل٬ ولكنها في النهاية وفي يوم ما سيعود عدد هام منها لبلدان المنشأ٬وتونس وعلى مدى فترات طويلة من التاريخ كانت دولة منشأ لـ“بنادق سائحة“ ولـ“آلاف المقاتلين التائهين“ في متاهات وصراعات وأجندات القوى الدولية والذين تعوّدوا على القتال وعلى البحث كل مرّة على جبهات جديدة٬في ما يشبه الدوران في حلقة مفرغة منذ 1979 كما يقول الكاتب.

في الكتاب يطنب احمد نظيف في الحديث عن ذلك الجهادي الذي ”يشبهنا في شيء ما“ بل هو عنوان لفشلنا الكامل أسرة ومجتمعا ودولة. في الكتاب أجاب أحمد نظيف عن سؤال خارق ”كيف يُصبح الجهادي جهاديا؟“ وسؤال ”لماذا تنجح أعداد كبيرة من الشباب في الالتحاق بالجماعات الجهادية؟ وفي إجابته على هذا السؤال الجوهري يدحض أحمد نظيف بالأدلّة الفرضية التي تجزم أن الفقر طريقا نحو ”الجهاد“ المق ّدس٬حيث يذكّرنا الكاتب بقصص مثيرة٬لأقطاب الجهادي العالم من أمثال سيّد قطب البرجوازي الصغير الذي أسس وهيكل هذا الفكر المتطرّف. وكذلك الملياردير السعودي أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري٬حيث تتجلّى كيف كانت لأوضاع الرخاء والوفرة دافعا لخوض تجربة ”القتل المق ّدس“ باسم ّجنة. الجهاد وابتغاء ال وبالنسبة لنجاح أعداد كبيرة من الشباب في الالتحاق ببؤر التوتّر يعود إلى أسباب أهمها ضعف سلطة الدولة المركزية في أعقاب انتفاضة جانفي 2011 وضعف دور الجهاز الاستخباري التونسي. هذا الكتاب الذي لم يتجاوز عدد صفحاته الـ135 صفحة وبحجم المتو ّسط وبغلافه اللافت٬يصفعنا بحقيقة ما ”أنتجنا“ من عناصر جعلت من الإرهاب عقيدتها ومن القتل بدم بارد هوايتها وهوّيتها.

لا احد تجرّأ علينا كما تجرّأ أحمد نظيف في إسقاط ورقة التوت التي كنّا نخفي بها عورة ما صنعنا من أدوات قتل يقول الكاتب أنها باتت تشكّل خطرا علينا وعلى الأخيرة. ولم يكتف الكاتب في كتابه بالتنظير والتخمين ووضع الاحتمالات والفرضيات وقراءة الأحداث من فوق٬هو غاص في تفاصيل الظاهرة ونبش في الأعماق وفضح الخفايا٬عشرات الأسماء رصدها الكتاب٬عشرات الأسماء التي ذاع صيتها في شبكات الجهاد العالمي٬تناول أحمد نظيف حياتها٬ونظر بشكل مختلف لتجربتها٬وأجبرنا على مواجهة حقيقة ما نحن عليه دون رتوش ولا مساحيق . لم يتوان في تحميلنا مسؤولية ما حصل ويحصل وسيحصل من جرّاء تخاذلنا في تحمل مسؤولية الخراب الذي حدث فينا وحدث في العالم من حولنا. ومن المحاور التي ختم بها الكاتب كتابه هو ”الشباب التونسي صيدا سهلا لشبكات التجنيد:الجنوب نموذجا“٬ وهو ما يعني أن قوى الجذب لـ“محرقة“ الموت المق ّدس ما تزال تدور بعنف وفي كل الاتجاهات لتذهب كل يوم بمجموعة جديدة من المغرّر بهم ومن ”الحالمين“ بـ“جنة مؤذية تجري من تحتها أنهار من الدماء“. تحدث نظيف عن أبناء تطاوين ومدنين ورمادة وبن قرادن سواء أولئك الذين ف ّجروا أنفسهم في عمليات انتحارية أو أولئك الذين ما زالوا يخوضون الحرب في جبهات القتال٬منتظرين بشغف ”لقاء حور العين“.

ومن خلال الكتاب ذكّر الكاتب بتحقيق كان نشره في 2012 تحت عنوان ”حقائق وأسرار شبكات تجنيد الشباب التونسي من اجل القتال في سوريا“٬ حيث اكتشف أن عملية التجنيد كانت تتم بسهولة ودون تعقيدات أمنية٬بل ُخصصت مساجد لهذه المهمة منها ”عباس“ في تطاوين الذي بقيت تسيطر عليه جماعات جهادية إلى بداية 2014 تاريخ استقالة حكومة حركة النهضة برئاسة علي العريض. ومن الملاحق المهمة التي تض ّمنها الكتاب هو ملحق ”القتلى التونسيون في الصراع السوري“ من شهر فيفري 2012 إلى شهر أوت 2013. في مواضع كثيرة من الكتاب اتهم أحمد نظيف صراحة حكومة ”الترويكا“ بزعامة حركة بأنها ”فتحت المجال واسعا أمام نشاط التيار الجهادي الدعوي والحركي السرّي في مجال تجنيد الشباب للقتال في سوريا وبقية بؤر التوتر شرقا وغربا.“

 

منية العرفاوي

 

المصدر: الصباح , بتاريخ : السبت 14 ماي 2106

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى