تحاليل

المستشارة حسيبة حقي: رفضت وجبة غداء و «عرجون دقلة»… فأحالوني على الرازي!

 

 

668_334_1482478350

 

 

 

تعرضت لمظلمة كبيرة، قهروني وتجاهلوني، أرادوا تحطيمي، إختطفوني وألقوا بي في الرازي لا لشيء إلا لأنني رفضت الفساد، هذا ما رددته حسيبة عند لقائنا بها بعد مغادرتها مستشفى الرازي.

■ سأحـــارب الفســـاد ولن أعمل تحت المراقبة

مكتب الشروق ـ القصرين:
حسيبة هي قاضية في الغرفة الجهوية لدائرة المحاسبة بقفصة، ولدت بقرية بوزقام التي تبعد عن القصرين 5 كيلومترات في 24 جانفي 1985، تنتمي لعائلة ريفية عدد أفرادها تسعة، التحقت بالعمل كمستشار مساعد لدى دائرة المحاسبات بتاريخ 3 أكتوبر 2015.
حسيبة رفضت التصريح لكل وسائل الاعلام وأصرت على الحديث للشروق التي ساعدتها في محنتها على حد تعبيرها ونظرا لمصداقيتها في تعاطيها مع الخبر حيث كانت الشروق الوسيلة الاعلامية الوحيدة التي تابعت الموضوع يوما بيوم ودقيقة بدقيقة وشركت جميع الأطراف في القضية بداية من محاميها الاستاذ ماهر الديواني مرورا بوالديها والاهالي وصولا الى اتحاد قضاة دائرة المحاسبات، كما كانت الشروق على عين المكان أثناء الاحتجاجات المنددة بالإيواء الوجوبي لحسيبة بالرازي وسباقة في الاتصال بحسيبة هاتفيا في غرفتها، فالشروق لا تعترف بالمستحيل.
صندوق دقلة وغداء أوصلا حسيبة إلى الرازي
رغم معاناتها في مستشفى الرازي لم تنس حسيبة بداية معاناتها والتي تضاربت حولها الآراء: لماذا وصلت حسيبة الى الرازي؟ وكيف؟ تروي المستشارة لغز روايتها من أول يوم الى تاريخ مغادرتها للرازي، كانت حسيبة تقوم بزيارة لإحدى بلديات معتمدية تنتمي الى ولاية من الجنوب الغربي صحبة زميل لها وكاتب، كانت متربصة في سنتها الأولى، تمت دعوتهم من طرف رئيس البلدية لتناول غداء، لم تكن تعلم شيئا وشاركت مرافقيها الوجبة، وعند عودتها الى قفصة فوجئت بزميلها يمدها «بعرجون» دقلة بعنوان هدية من المسؤول، في تلك اللحظة لم تنتبه الى شيء حسب تصريحها ولكن بعد عودتها لمقر سكناها عادت للفصل 26 من دليل أخلاقيات المهنة لتجد أنه يمنع قبول الهدية، دارت عندئذ بخاطرها عدة أسئلة لماذا هذه الهدية ولماذا الغداء؟ عادت في اليوم الموالي وطلبت من زميلها اعادة «عرجون» الدقلة الى صاحبه واقترحت عليه تكفلها باعادة مبلغ 100 دينار الى رئيس البلدية وهو ثمن الغداء، كانت تنتظر شكرا ولكنها فوجئت بزميلها يرفض اقتراحها ويطلب منها الانضباط بل وأعلمها أن الفريق الذي اشتغلت معه سابقا كان قد وصفها بـ «المعقدة»، توترت العلاقة وطالبت حسيبة رئيس الغرفة الجهوية بمكافحتها بأعضاء الفريق الذي وصفها بالمعقدة غير أنه استشاط غضبا وطالبها باحترام زملائها ووصفها بـ«الشلاكة» بل وهددها باستدعاء أعوان الأمن. عندها تقدمت بمطلب رخصة بـ48 ساعة فكان الرد «ملاّ راحة» وتمت الموافقة فورا.
الرحلة إلى العاصمة والمنعرج نحو الرَّازي
اتجهت حسيبة الى العاصمة وبالتحديد إلى الإدارة المركزية للتظلم وردّ الاعتبار وهذا لن يكون إلا من الرئيس الأول حسب تصريحها وكان لها معه لقاء يوم 29 نوفمبر 2016 على الساعة الثامنة والنصف صباحا وروت له روايتها فكان الردّ « على 5 كيلو دقلة عملتي حالة « فأعادت طلبها بالمكافحة الا أنه رفض نظرا لكونه سيترأس جلسة فطلبت الدخول معه باعتبار أن من بين التقارير التي سيتم الخوض فيها تقارير هي طرف فيها لا تتعلق بهذه المهمة وإنما بمهمة سابقة تتعلق بمندوبية التربية فسمح لها بذلك وكان القضاة من قفصة يتدخلون عبر آلية Vidéo conférence، وأثناء الجلسة تم تجاهل حسيبة التي ترغب في المكافحة ولو عن بعد ولما طالبت بذلك وأصرت تم إخراجها من قاعة الجلسة عنوة وفي قاعة الاستقبال اتصل بها نائب الرئيس وطلب منها الصمت والعودة إلى مقر اقامتها المؤقت بالعاصمة ووعدها بردّ اعتبارها وتمكينها من حقها، عادت إلى مقر إقامتها وكتبت تقريرا وقدمته الى الرئيس الأول لدائرة الحسابات بتاريخ 30 نوفمبر 2016 ونسخة منها سلمتها الى ممثلة جمعية القضاة وأخرى الى رئيس إتحاد قضاة دائرة المحاسبات. وفي اليوم الموالي 1 ديسمبر 2016 عادت الى الادارة المركزية وطالبت الرئيس الأول بالردّ على التقرير دون جدوى.
رفض العودة إلى قفصة ولا للتعامل مع القضاء العدلي
نظرا لتعذر حصول حسيبة على ردّ على التقرير رفضت طلب الرئيس الأول بالرجوع إلى مباشرة عملها في قفصة وطالبت بتمكينها من خطة مؤقتة في الإدارة المركزية إلى أن تتضح الأمور وفي مساء ذلك اليوم فوجئت حسيبة بنائب وكيل الجمهورية بمحكمة تونس 1 يقترب منها ويطلب منها الحديث إليه الا أنها رفضت ذلك لأن الأمر ليس من مشمولاته وإيمانا منها بأن القضية داخلية تهم القضاء المالي ولا دخل للقضاء الجزائي في ذلك.
لم يكن يوم الجمعة 2 ديسمبر 2016 عاديا حيث عادت حسيبة إلى مقر الإدارة رغبة منها في الحصول على ردّ على تقريرها المتعلق بشكوى ضد خمسة قضاة من غرفة قفصة إثنان منهم نتيجة زيارة قاما بها إلى منزل حسيبة وإبلاغ أهاليها بأن ابنتهم مريضة عصبيا وعليهم الاتجاه إلى قفصة لتسلمها مما تسبب في إزعاج والديها، لاقت التجاهل مرة أخرى وطلب منها الرئيس الأول مجددا العودة الى قفصة مما أثار غضبها فانخرطت في الصياح عندها فوجئت بأربعة أعوان بزي مدني يلقون القبض عليها ويسحبونها بالقوة الى السيارة الأمنية مما تسبب لها في رضوض على مستوى الذراع وينطلقون بها بسرعة رهيبة وكأنها عملية اختطاف لتجد نفسها في مقر محكمة تونس 1 الابتدائية وهناك وجدت في انتظارها سيدة وسيدين ونائب وكيل الجمهورية وطلبوا منها مجددا رواية حكايتها غير أنها رفضت لنفس اسباب الرفض الأول، عندها سلموا الأعوان ظرفا كبيرا وطالبوهم بتسلم حسيبة غير أن هذه الأخيرة رفضت المغادرة قبل تحرير محضر في الغرض، عندها تم إخراجها بالقوة لتنطلق بها السيارة بسرعة كبيرة لتجد نفسها في مستشفى الرازي.
الرازي: العالم المجنون
في الرازي وجدت حسيبة عالما جديدا، هناك قدمت نفسها وحكت روايتها للأطباء وأكدت لهم أن الأمر لا يتعلق بمرض وإنما بأمور مهنية، تمت إحالتها مرة أخرى مصحوبة بظرف غامض إلى محكمة تونس 1 وهناك تم الاحتفاظ بها داخل السيارة ليبلغها الأعوان الذين دخلوا مقر المحكمة مصحوبين بالظرف أنها ستعود إلى الرازي، وهناك بدأت رحلة العذاب مع مكان ليس مكانها الطبيعي، خضعت حسيبة لفحوصات وتحاليل طبية وسكانار على الرأس وتخطيط على القلب والنتيجة أن حالتها جيدة وأعيدت التحاليل يوم 8 ديسمبر 2016، في ذلك اليوم زارها أطباء وطلبوا منها تناول قرص (حربوشة) تسمى بالفرنسية Equilibre de dépression لأنها مريضة، رفضت تناول القرص وفي اليوم الموالي الجمعة طلبوا منها نفس الطلب فطلبت مهلة بـ3 أيام للتشاور مع المحامي في محاولة منها لربح الوقت حتى لا يتم إجبارها على تناول الدواء.
حسيبة ترفض العودة إلى العمل بهذا الشرط ومصرّة على تتبع القضاة
بعد خروجها يوم 15 ديسمبر الماضي استقبل رئيس محكمة القصرين حسيبة وطلب منها العودة الى العمل ولكن هناك شرط عكر مزاجها مرة أخرى وهو شرط المراقبة الصحية المستمرة المضمن في شهادتين طبيتين مصاحبتين للتقرير لترفض حسيبة العودة إلى العمل بهذا الشرط مع العلم أنها لم تتلق طلبا رسميا من ادارتها بالعودة الى العمل حيث أكّدت أن الاتصالات مفقودة مع ادارتها، وفي النهاية تؤكد حسيبة أنها مصرة على تتبع قضاة الغرفة الجهوية بقفصة المعنيين بمظلمتها، كما تؤكد أن وزيرة الصحة لم تكلف نفسها إستقبالها وأنها تقدمت بمطلب للقاء والي القصرين عن طريق المعتمد الأول الذي قابلته ووعدها بالاتصال بها للقاء الوالي بعد تحديد موعد ولكن إلى حد إجراء هذا اللقاء لم يف بوعوده. هذا ما حصل لقاضية فما بالك لو كانت مواطنة عادية.

 

 

الشروق : بتاريخ 23 ديسمبر 2016 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى