رأي

الشهيد  محمد الزواري يُوّحد التونسيين ويضعهُم أمام واجب مُواجهة التحديات الجديدة …

telechargement-3

 

علي عبداللطيف اللافي:

 

مرّة أخرى ورغم الثراء والتنوع الفكري والسياسي والنقابي، تجد كل النخب بل و جميع  مناضلي المنظمات الوطنية والأحزاب السياسيّة، أنفسهم صفا واحدا رافعين تقريبا نفس  الشعارات بل و ملتفّين حول قضية و مشغل سياسي واحد خاصة وان تلك القضية ترتبط بالقضية الأم و المركزية لكل التونسيين بل وكل العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونعني بذلك طبعا القضية الفلسطينية العادلة…..

لقد وحّدت عملية  اغتيال الشهيد البطل محمد الزواري كل التونسيين ليس فقط للتنديد بالجريمة البشعة التي استهدفته ككفاءة تونسيّة عالية واستثنائية بكل المقاييس،  فلقد ضربت عملية الاغتيال عمق الأمن القومي لتونس وسيادتها الوطنيّة بل ودفعت لإحياء معاني النضال ضد الكيان الغاصب ووحدة الأمّة العربيّة تجاه بيت المقدس أولى القبلتين وثاني الحرمين ومسرى الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء ذلك بعد أن كادت اللامبالاة و النسيان يطويان مختلف هذه القيم والمبادئ الحضاريّة لأمتنا العظيمة ذات التاريخ المشرف قيما و ممارسة وأكده خصومها قبل أنصارها….

لقد تجسّدت الأفعال و المواقف والتحرّكات و ردَات الفعل المتسارعة و الّتي أعقبت اغتيال الشهيد الزواري وباتت عمليا تحركات يومية وذات زخم عال في كل الولايات وكل الأجزاء الجامعية والساحات في المدن الكبرى والعاصمة وتحولت الى مشغل يومي للأحزاب والمنظمات والجمعيات لتختتم بمسيرة تاريخية ضخمة وجامعة أول أمس السبت 23 ديسمبر2016، في مدينة صفاقس وكأن الحدث أراد ان يذكرنا بمسيرة 12 جانفي 2011 حيث أعلنت صفاقس يومها نهاية الجنرال المخلوع واهتزاز نظامه ونهاية حاشيته و حزبه الحاكم   …

لقد جسدت مسيرة أول أمس السبت، وحدة تونسيّة نادرة ولتُدير تونس الرقاب من جديد، إذ نقلت وسائل الاعلام العربية هبّة التونسيون من كل الاتجاهات السياسيّة والتيارات الإيديولوجيّة  ومن مناضلي سائر الجمعيات و المنظمات الوطنية بقياداتها المركزيّة والجهويّة، بل وبكل مختلف مكونات المجتمع المدني، لان الهدف هو للتعبير عن الدفاع عن سيادة الوطن من الاختراقات الأجنبيّة، لقد استشعرت الجماهير المشاركة، مخاطر الألاعيب والمؤامرات التي تحبكُ خيوطها أطراف عدة و أجهزة مخابرات إقليمية ودوليّة ضدّ تونس وضدّ تجربتها الفريدة في الانتقال الديمقراطي، لقدى وعى المشاركون ان تونس تعيش مرحلة يعمل فيها وكلاء الداخل على ترذيل الثورة، حيث تجرأ بعضهم على استعمال الفاظ جديدة محاولة منهم لترذيل الثورة على غرار استعمال لفظ “منعطف 14 جانفي” أو منعرج 14 جانفي” أو “ثورة البرويطة”، بل أن بعض اليوميات التونسية و التي لا تخفي حنينها للمنظومة القديمة تعمل بشكل يكاد يكون يوميا وعبر بعض أقلام باعت ذمم أصحابها تعمل على ترذيل منهجي، للثورة وشهدائها وأهدافها في محاولة منهم لتلميع حقبة الجنرال الهارب، وهو سياق ليس قطريا فقط بل هو سياق إقليمي يعمل من خلاله البعض على حرق طموحات الشعوب العربية في التحرر والانعتاق ومن رقبة الولاء والتبعية والتغريب والتخندق ….

ان مشهد الوحدة الوطنيّة مشهد يغيض فعليا الكثير من الأعداء في الداخل التونسي كما يغيض المتربصين ببلدنا من أطراف إقليمية ودولية متعددة، وهو ما يطرح فعليا مهمة  التحفّز لاستثمار هذه الأجواء الجديدة للسير نحو مستقبل أفضل عبر تجاوز هنات الماضي وسلبياته ومزيد الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة بعقلية الناقد النزيه والمعارض البناء والوطني الخدوم ووفقا لثنائية الحق والواجب، ذلك أن تونس في وضع صعب وظرف دقيق، ولن يكون مسعى المحافظة على بعد الوحدة الوطنية لا سهلا و لا يسيرا لأنّ أطرافا عديدة ستعملُ جاهدة على توتير الأجواء مرّة أخرى وباعتبارها قوى عملت موضوعيا و على مدار السنوات الست الماضية على إحلال الفتنة بين التونسيّين وتشتيت صفوفهم وبثّ الأحقاد بينهم حتّى يسهل لها تنفيذ مخططاتها الساهية للتدمير والتخريب وانجاح الانقلابات الناعمة بعد أن يئست عمليا من تمرير الانقلابات المباشرة على أرض الخضراء و لا شك في أن مشهد ما بعد اغتيال الشهيد الزواري فرصة لن تقدر بثمن لكسب نقاط إضافيّة ومراكمة نجاحات عدة في مسيرة الانتقال الديمقراطي في تونس عبر مراكمات جديدة بعد أن نجحنا في جانفي 2014 في إقرار دستور جديد وبدأنا في تأسيس جمهوريّة ثانية نرنو من خلالها الى تحقيق اهداف الثورة واستكمال مهامها…..

ولابد واقعيا من العمل على تحويل حادثة الاغتيال الجبانة الّتي تعرّض لها الشهيد المهندس مُحَمَّد الزواري، إلى فرصة مناسبة لتوحيد التونسيين مجددا بل ووسام شرف لكلّ شبابنا والذي يجب او نُورثه التعلّق بالقضية الفلسطينية لتكون كل حياتنا وهي كانت ولا تزال  كذلك وهي ليست مجال خلافات بين سياسيينا وبين نخبنا او بين مختلف الفرقاء  …

بل أن المهم اليوم أن تبقى هذه الشعلة متّقدة لحماية الوطن من كلّ المخاطر ومجابهة كلّ القضايا والملفات بروح الوحدة والعمل الجماعي والتشارك الفعلي.

فلقد اثبت التونسيّون مرّة أخرى أنّهم قادرون على صناعة الاستثناء وتجنّب المطبّات الصعبة وأثبتوا أيضا أنّهم على قدر من الوعي السياسي والفكري لفهم ما يُحاك ضدّ بلدهم  ولوضع ما يلزم من خطط للرد على ما حيك ويحاك، بل والحفاظ على وحدة مجتمعهم وسلامة دولتهم خاصة في ظل الوضع الإقليمي الحالي وتذبذب الالتقاء بين الدول ووسط تغيرات دولية مقبلة في الأشهر والسنوات القادمة ان تونس لا يمكن أن تكون الا موحّدة و مستقلة، وكل التونسيين يرنون الى دولة ديمقراطيّة ذات سيادة تبني تجربتها الرائدة بوعي شعبي واسع بالمخاطر و التهديدات وبتحفّز دائم للتصدّي لكلّ مشاريع التقسيم والتوظيف السياسوي و درء الفتنة والفرقة لان الهدف الاسمى هو وحدة و اسعاد التونسيون كل التونسيين بل الأمة كل الأمة والأرض كل الأرض …..

 

المصدر : شمال إفريقيا 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى