تحاليل

“الوهـّـــــابيّـة”‬ونُخــبنــا‭ ‬حيــــــن‭ ‬تُـــراوح

 

 

14823988762_content

 

لا توحي إقالة الدكتــور عبد الجليل بن ســـالم من منصـــب وزير الشؤون الدينية الذي لم يتجاوز توليه له الشهرينإلا بوجود أزمة عميقة تكتنف طبيعة هذه الوزارة وتشمل مهــــامّها ومــا يُنتظر منــها وذلك منذ تـــأسيسها في مطلعالتسعينـــات مـــن القــرن الماضي.

2- ما أعلنته المصادر الرسمية من أنّ الإقالة نجمت عن تصريحات الوزير التي لم تحترم «ضوابط العمل الحكومي»والتي مسّت «بمبادئ وثوابت الدبلوماسية التونسية» يؤكد وجود تلك الأزمة الحادّة لما يشي به الإعلان الرسمي منحرج واضح إزاء ما صرّح به الوزير. للتذكير فإن هذه التصريحات كانت ضمن جلسة استماع بلجنة الحقوقوالحريات والعلاقات الخارجية بمجلس نواب الشعب اعتبر فيها الوزير أن «المدرسة الوهابية هي سبب الصراع ومايشهده العالم الإسلامي من تشدد وإرهاب»، مضيفا أنه سبق له أن طالب السفير السعودي بالإصلاح في هذا الشأن. لا شك أنّ ما أورده الوزير السابقمن تحميل «المدرسة الوهابية» مسؤولية الصراع الدائر حاليا في العالم العربي وما واكب ذلك وسبقه من تطـــرّف عنيف فيـــه قدرٌ كبير مـــنالتعميــم البالغ حَدَّ التّجَني. ذلك أمرٌ مُستغربٌ صدورُه من قامة علمية زيتونية ذات اطلاع جيّد على السياقات المعرفية والتاريخية والسياسية المتعلقةبالمسألة الوهابية في هذا الزمن وفيما سبق من الأزمنة.

3 في الزمن السابق وقبل قرنين تقريبا سجّل المؤرخ الرسمي للدولة التونسية أحمد ابن أبي الضياف أنه في الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة1229 الموافق لـ 13 جوان 1814 «ورد البشير من الدولة العليّة العثمانية بأخذ الحرمين الشريفين من يد الوهابي وأعلنت مدافعُ الحاضرة سرورابذلك». يعرّف صاحب الإتحاف القائم بالدعوة الوهابية بصيغ منحازة ليقول عنه إنّه «منع زيارة القبور حتى قبور الأنبياء ومنع التوسّل بهم إلى اللهتعالىوصرّح بكفر من يفعل ذلك وسمّاه مشركا… [وإنّه] صادف آذانا واعية وقلوبا من العلم خاوية». يواصل ابن أبي الضياف أنه لمّا عظُم أمرالوهابي«نصب حربا للمسلمين عموما ولأهل الحجاز خصوصاوأطلق يد القتل والنهب فيهمواشتدّت عصبيتهم وقويت فطلبوا غايتها وهي الملكوالسلطان». ليختم بما أرسله الوهابي داعيا أقطار المسلمين إلى مذهبه مما جعل الباي حمودة باشا يكتب إلى علماء الزيتونة يطلب منهم «أن يوضحواللناس الحق».

جاء الجواب ردًّا من الشيخين عمر المحجوب وإسماعيل التميمي فيما عنونه الأخير بـ «المِنَح الإلهيّة في طمس الضّلالة الوهابية» ناقضا ما ورد منالحجاز جملة وتفصيلا.

4 من غير الممكن أن تكون قد غابت عن الوزير السابق وهو يجيب عن أسئلة النواب تلك الحادثة المفصلية بملابساتها ومضامينها ومن الواضح أنهلم يكن بصدد إعادة إنتاج نفس الخطاب السجالي للشيخين الزيتونيين في موقفهما من الوهابية. أكثر من هذا، من المرجّح أنّ الوزير كان مستحضرا أنّالوهابيين الذين راسلوا حمودة باشا في القرن التاسع عشر يحملون خطابا مختلفا عن نظرائهم الآتين في القرن الحادي والعشرين إلى تونس بمداخلشتّى. لقد جدَّت، في القرنين اللذين يفصلان هؤلاء عن أولئك، أحداثٌ جِسام ممّا لا يمكن الذهول عنه وادعاء أنّ الوهابية ضمن الظاهرة السلفية العامةذات دلالة واحدة ووحيدة في كل آن ومكان. في سياق القرن التاسع عشر أساسُ خطاب الفقيه الزيتوني كان قائما على مناهضة الدعوة الوهابية لأنهيعتبرها ضلالةً يستحقها من حاد عن سبل الهداية الإلهية. هو حكم عَقَديّ تصحيحي لا يرى في السلفية سوى هَبّةٍ طُهورية (puritaine)، معروفة فيديانات التوحيد، تدعو إلى التشبث بالفضائل والاقتداء بالسلف الصالح من خلال التمثّل به في العبادة والسلوك وبمقاومة البدع الخاصة بالمعتقدات.

هو موقفٌ تَفرَّد به علماء تونس ولم يقاسمهم فيه أيامها علماء المغرب والجزائر وطرابلس الغرب بالخصوص حيث كان القطر المغاربي الأكثرَ تأثرابالدعوة السلفية بنشأة الحركة السنوسية.

ما يحصل اليوم من صراع دامٍ ومدمّر في المجال العربي خاصة مغاير نوعيا للدعوة القديمة وإن تَزيّّى بزيّها واتَّسَم بسِمَتِها.

5 ما يَمْثُلُ الآن أمامنا باسم الوهابية هو تبدّلٌ ( mutationناجمٌ عن تضافر عوامل حاسمة متراكبة منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجيمعولم. مع القسم الأول تحوّلت طُهورية الاقتداء بالسلف في مستويات العقيدة والعبادة لتصبح تيارا متشددا يحمل فكرا إحيائيا. خصوصيةُ هذا الفكرتحويلُ حِقبةٍ من الحقب التاريخية إلى منظومة فكرية واجتماعية أي إلى عصر ذهبي للدفاع عن الهوية التي يعتبرها مُهدَّدةً جديّا. هو لذلك يؤسس فكراومنهجا يحصر مرجعية النص القرآني في فهمه حسب المعاني التي ضُبطت زمن نزوله وما تلا ذلك بقرنين معتبرا التقاليد الشعبية والمذهبية الفقهيةابتداعا وتنكرا لصحيح الدين.

ما ينبغي التنبيه إليه أن هذا التبدُّل بهذه الخصوصية الرافضة للتأويل والمُعرضة بذلك عن التجربة التاريخية للأمة وما صنعته من سردية كونية بأفهاموتصورات ومؤسسات نحتتها في تعاطيها مع الشأن الديني إنما هي تجفيفٌ لمنابع المُمْكِنات والإجْماعات المستقبلية التي تستدعيها حاجة التغيير فيالأزمنة الجديدة.

أهم ما في هذا التبدّل تقاطُعه واستفادتُه مما انتهت إليه مسيرة القرن التاسع عشر والعشرين عبر ما حقّقه الإصلاحيون في المجال العربي عامةوالتونسي خاصة بمقاومتهم «التقليد» بكل أشكاله الفقهية والسياسية وتعبيراته الاجتماعية والثقافية. هذا التوجه المُعادي للتقليد الذي اعتُبر مساوياللانحطاط ركّزه بعد ذلك نظام الدولة الحديثة مُستغنيا بصورة كليّة عن المؤسسات التقليدية الأهلية لترسيخ نموذج الحداثة الغربية التي «لا يُقاوَمسيلُها». مع انتكاسات الدولة الحديثة نهايةَ سبعينات القرن الماضي وسقوط «الدولة الحديثة» الإيرانية سنة 1979 تأكد صعود الإحيائية الجديدةبصيغتيها الشيعية والسنيّة المستقوية بالانهيارات الكبرى التي جعلت المجالات الوطنية مُفتَقِدةً لمشروع معاصر وجامع.

6 حين يصرّح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير» بأن الإسلام الراديكالي العنيف هو أكبر تهديد للأمن العالمي لا نتمالك من التوقف عندهذا النوع من تجاهل العارف. ذلك أن هذه الدعوى رغم ما فيها من صحة فهي تتغافل عن الجانب الأهمّ من الحقيقة لأن صاحبها هو ممن نظّرلـ«استعادة الشرق الأوسط» بحربي أفغانستان والعراق اللتين نشرتا الفوضى والدمار الشاملين. لا تختلف مقولة «الاستعادة» عن مشروع «الشرقالأوسط الكبير» في تجسيد أبرز العوامل الخارجية التي ساهمت بقوّة في فتح أبواب البلاء الذي مكّن من تنامي الإحيائية السلفية العنيفة بحملات الغزوالاستعماري الجديد وسياسات الاستتباع المفرِّقة. إذا أضفنا إلى هذا ظاهرة العولمة في بعديها المتكاملين الاقتصادي والتكنولوجي وعبورها للحدودوالسيادات الوطنية وما يصنعانه من مفارقات عجيبة تتيح للتيار الإحيائي القتالي مجالات الاستباحة بإمكانيات غير مسبوقة. أكثر من ذلك فقد صارتالإحيائية تستفيد من التحاق شباب من دول غربية عديدة للقتال في العراق أو سورية وليبيا والعودة إلى بلدان غربية للترويع والتدمير مما يؤكد وجودانهيارات قيمية واجتماعية – سياسية شاملة.

7 كل هذه العوامل لا أحسبُها غابت عن وزير الشؤون الدينية المُقال وهو يجيب عن أسئلة نواب الشعب الخاصة بأسباب التطرف العنيف. مع ذلكفقد انساق نحو الجواب الأسهل الذي درجت عليه عموم النخب عند معالجة مصاعب الشأن الديني في تونس. اختار الجوابَ السياسي الذي يُلقيالمسؤولية على الآخر متجاهلا المهمة الاستراتيجية التي ينبغي أن تعمل على تأسيس المرجعية الدينية العلمية المعاصرة المفقودة. تلك هي المهمة التيتراوح دونها نخبُنا رغم أنها هي القادرة على بناء نهوض معرفي وفكري أصيل ليس تكرارا للأصل وإلاّ غدا نسخا أوتشويها أومـسخا بل نَـسْغٌ يتخلّقمن الأصل ويندفع بالعلم والوعي والمثاقفة ليَسْمُوَ في صور حياة منيعة ومتوثِّبة.

 

د. احميده النيفر

رئيس رابطة تونس للثقافة والتعدّد

 

ليدرز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى