دراسات

الإختصاصات الدستورية للمجلس الأعلى للقضاء

images-2

 

 

أحدث دستور غرة جوان1959 المجلس الأعلى للقضاء في الباب المتعلق بالسلطة القضائية الذي نصّ على إختصاصاته في مجال تسمية القضاة وأحال إلى القانون مهمة ضبط بقية الإختصاصات الأخرى ونصّ الفصل 66 على أنّ تسمية القضاة تكون بأمر من رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى وكيفية انتدابهم يضبطها القانون، كما نصّ الفصل 67 على أنّ الضمانات اللازمة للقضاة من حيث التعيين والترقية والنقلة والتأديب يسهر على تحقيقها مجلس أعلى للقضاء يضبط القانون تركيبه واختصاصاته.

فدستور جوان 1959 يقرّ انّ للمجلس الأعلى للقضاء اختصاصات أخرى لكن القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 لم يتوسع عند ضبطه لاختصاصات المجلس الأعلى للقضاء إلى أبعد ممّا تناوله الدّستور فجعل اختصاصه منحصرا في النظر في المسار المهني وتأديب القضاة كسلطة اقتراح أو استشارية مع ترك السلطة التقريرية بيد السلطة التنفيذية سواء رئيس الجمهورية أو وزير العدل.

وقد كان مجال نظر هذا المجلس مقتصرا على القضاء العدلي دون بقية الأجهزة القضائية كالقضاء الإداري والقضاء المالي وخصّت القوانين كلّ منهما بمجلس أعلى، فضبط القانون الأساسي عدد 67 لسنة 1972 المؤرخ في غرة أوت 1972 المتعلق بـتسيير المحكمة الإدارية وضبط القانون الأساسي لأعضائها والمرسوم عدد 8 لسنة 1968 المؤرخ في 26 سبتمبر 1968 المتعلّق بضبط القانون الأساسي لأعضاء دائرة المحاسبات تركيبة واختصاصات والإجراءات المتبعة تباعا لدى المجلس الأعلى للمحكمة الإدارية والمجلس الأعلى لدائرة المحاسبات .

أمّا دستور الجمهورية الثانية فتميز بتغيير هيكلة المجلس الأعلى للقضاء فلم يعد مشتملا فقط على أعضاء معينين بالصفة وأعضاء منتخبين بل أصبح تكوينه يرتكز على هيكلة نصّ عليها الفصل 112 من الدستور تتمثل في مجلس قضاء عدلي ومجلس قضاء إداري ومجلس قضاء مالي والجلسة العامّة لمجالس القضائية الثلاثة.

وبهذه الصفة جمع المجلس الأعلى للقضاء في دستور الجمهورية الثانية المجالس القضائية الثّلاثة العدلي والإداري والمالي وبالتالي لم يدمج ضمن تركيبته مجلس القضاء العسكري المنصوص عليه بالفصل 14 من المرسوم عدد 70 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم القضاء العسكري وضبط النظام الأساسي الخاص بالقضاة العسكريين بما يجعل القضاة العسكريون غير مشمولين بنظر المجلس الأعلى للقضاء وغير معنيين بتركيبته.

وعليه فإنّ إختصاصات المجلس الأعلى للقضاء لا تهم إلاّ القضاة الرّاجعين بالنظر للمجالس القضائية الثلاثة العدلي والإداري والمالي باعتبار أنّ المقصود بالمجلس الأعلى للقضاء هو المجلس بتكوينه الوارد بالفصل 112 من الدستور وقد نصّ الدستور على عدّة إختصاصات ترجع للمجلس الأعلى للقضاء وأخرى ترجع لهياكله.

وتنصّ الفقرة الأخيرة من الفصل 112 من الدستور على أنه : يضبط القانون اختصاص كلّ هيكل من هذه الهياكل الأربعة، وتركيبته، وتنظيمه، و الإجراءات المتّبعة أمامه.»

و على أساس ذلك فإنّ إختصاصات المجلس الأعلى للقضاء تستوجب كذلك التطرق إلى اختصاصات هياكله وذلك باعتبارها تتشارك في عديد الاختصاصات معه، فانطلاقا من أحكام الدستور يتبين أنّه أعطى للمجلس الأعلى ولاية شاملة لحسن سير القضاء وضمان استقلاله (الجزء الأوّل ) كما نصّ على اختصاصات المجالس القضائية الثلاثة (الجزء الثاني) واختصاصات ترجع للجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاثة (الجزء الثالث).

الجزء الأوّل: ولاية شاملة للمجلس الأعلى للقضاء لحسن سير القضاء وضمان استقلاله:

عهدت أحكام الفصل 114 من الدّستور للمجلس الأعلى للقضاء اختصاص حسن سير القضاء و ضمان استقلاله ويعتبر هذا إختصاصا جديدا ومهمّا عهدت به أعلى قاعدة قانونية في الدولة للمجلس الأعلى للقضاء لذلك يعتبر المجلس الأعلى للقضاء هو السلطة الوحيدة المؤهلة لممارسة هذه المهمّة ولا يمكن لأية جهة أو سلطة أن تتولّي السهر على حسن سير القضاء دون أن تكون تحت سلطة المجلس الأعلى للقضاء الضّامن لحسن سير القضاء.

ويتعين على المشرع عند تكريسه لأحكام الدستور أن يحرص على تعهيد المجلس الأعلى للقضاء بكلّ المهام التي تدخل في اختصاصه كضامن لحسن سير القضاء واحترام استقلاله ولايمكن للمشرع أن يتفصّى أو يتغاضى عن الواجبات التي فرضها عليه الدستور أو أن يؤجّلها أو يحيل مهمّة ضبط قواعدها للسّلط الإدارية أو القضائية.
– وحسن سير القضاء يتطلب من المجلس أن يتمتع بكلّ الصلاحيات التي تمكّنه من اتخاذ التدابير والقرارات والإجراءات التي من شأنها أن تمكّنه من تحسين جودة القضاء وحسن إدارة المحاكم والتصرّف النّاجع فيها وهو ما يتطلب اعتمادات مالية ملائمة وقد خصّ الدستور المجلس الأعلى للقضاء باستقلال إداري ومالي وبالتسيير الذاتي ونصّ على أنّه يعدّ مشروع ميزانيته و يناقشه أمام اللجنة المختصّة بمجلس نواب الشعب .
كما تحسين جودة القضاء ينطلق من تكوين القضاة بالمعهد الأعلى للقضاء لذلك يتعين أن يشرف المجلس الأعلى للقضاء على المعهد الأعلى للقضاء ويمكن له أن يساهم في ضبط شروط للتدريس به وإعداد البرامج للرفع من كفاءة القاضي وذلك بمنأى عن كلّ تأثير للسّلطة السياسية.
ويترتب عن اختصاص حسن سير القضاء كذلك أن يتمتع المجلس بعدة مهام لتدعيم ثقة المتقاضي في القضاء من ذلك يتعين أن يكون له مهام في تقييم جودة العدالة ويمكن أن يتعهد المجلس بالتصرف في ميزانية العدالة وأن يراقب نشاط المحاكم.

التفقد القضائي:

ويندرج كذلك التفقد القضائي في إطار حسن سير القضاء فقد كانت وزارة العدل منذ صدور دستور غرة جوان 1959 هي المتعهّدة بالسهر على حسن سير القضاء مثلما اقتضته أحكام الأوامر المتعلّقة بضبط مشمولات وتنظيم ووزارة العدل إذ تتولى التفقدية العامة بمقتضى الأمر عدد 3152 لسنة 2010 المؤرّخ في 1 ديسمبر 2010 المتعلق بتنظيم وزارة العدل وحقوق الإنسان بمهمّة تفقد كلّ المحاكم والمؤسسات الخاضعة لإشراف وزارة العدل باستثناء محكمة التعقيب.

وبموجب أحكام الفصل 114 من الدستور فإنّ كلّ مهام التفقد الواردة بهذا الأمر ترجع آليا لاختصاص المجلس الأعلى للقضاء باعتبارها تدخل في صميم ضمان حسن سير القضاء ويعتبر تدخل وزير العدل في هذا الاختصاص اعتداء على اختصاص دستوري عهد به الدستور للمجلس الأعلى للقضاء، وفي هذا المستوى يلعب المشرع دوره في ضرورة سحب كلّ الاختصاصات التي تمارسها وزارة العدل وإحالتها إلى المجلس الأعلى للقضاء باعتبارها تندرج في إطار حسن سير القضاء الذي أصبح بموجب أحكام الفصل 114 من الدّستور راجعة لاختصاص المجلس الأعلى للقضاء.

نظام تفقد:

ومن ناحية أخرى تتجه الإشارة إلى أنّ كلّ من القضاء الإداري والقضاء المالي الحالي لا يخضع لأي نظام تفقد وبموجب هذا الاختصاص الشامل للمجلس الأعلى للقضاء الذي له ولاية على القضاء الإداري والقضاء المالي سيخضعان لنظام تفقد لضمان حسن سير القضاء وقد وضع مشروع القانون المتعلقّ بالمجلس الأعلى للقضاء الذي أعدّته المحكمة الإدارية تصورا لمهام تفقدية القضاة في المحاكم التي تتولّى أساسا القيام بما يلي :
-التفقّد المستمر للمحاكم والمؤسّسات الخاضعة لإشراف المجلس ولفت نظره حول الصعوبات التي تتمّ معاينتها.
-تلقّي الشكايات ومتابعتها والنظر في مدى جديّتها طبق أحكام هذا القانون.
– أعمال البحث والتقصي حول الوقائع والأفعال التي ترد في شكاوى القضاة المحالة عليها من رئيس المجلس والمتضمّنة تعرّضهم لضغط أو تهديد أو تدخّل يتعارض مع الفصلين 102 و 109 من الدستور.
-إعداد تقارير البحث التكميليّة التي تكلّفها بها مجالس التأديب التابعة للمجالس القضائيّة الثلاثة حول أفعال منسوبة إلى قاض أو الظروف التي ارتكبت فيها طبق الآجال المنصوص عليها بمشروع القانون المذكور .
-إنجاز مهمّات تقييم داخلي حول تسيير المحاكم والمؤسّسات الخاضعة لإشراف المجلس يقوم بها فريق يعيّنه المتفقّد العام ويترأسّه وجوبا عضو من غير القضاة.
-إعداد تقرير تفقد سنوي يحال إلى المجلس في موفى كل سنة إداريّة يستعرض نشاط التفقديّة ويتضمّن آراءها ومقترحاتها، ولها عند الاقتضاء أن تعدّ تلقائيّا أو بطلب من المجلس تقارير خاصّة.
-إعداد برنامج تفقد يضبط على ضوء التقارير السنويّة تتولّى التفقديّة تنفيذه بعد عرضه على المجلس للمصادقة.
-وللمجلس أن يكلّف التفقديّة بمهمّات تقييم وتحقيق خاصّة، ولا تقوم التفقدية بأي دور تأديبي للقضاة.

كما أنّ ضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاله يقتضي :
– ضرورة أن يتعهد المجلس الأعلى للقضاء الإشراف على إدارة المحاكم ومراقبة موازنتها فالمحاكم هي التي تمارس السلطة القضائية وعملا بمبدأ التفريق بين السلط ومبدأ استقلال القضاء لا يمكن أن تكون المحاكم خاضعة لاشراف السلطة التنفيذية ممثّلة في وزارة العدل بل إنّ المجلس الأعلى للقضاء هو الوحيد المخول دستوريا للإشراف على المحاكم باعتباره هو الضّامن لحسن سير القضاء .
– مساهمة المجلس الأعلى للقضاء في صياغة السياسة القضائية بتقديم التوصيات ضمن التقرير السنوي .
– وضع تصور لتحسين إدارة العدالة
– تحسين جودة العدالة وتحسين علاقة المواطن بالعدالة.

تقرير سنوي:

ومن ناحية أخرى نصّ الدستور على أنّ المجلس الأعلى للقضاء يعدّ تقريرا سنويا يحيله إلى كلّ من رئيس الجمهورية ، ورئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة في أجل أقصاه شهر جويلية، ويتمّ نشره ويعتبر هذا التقرير آلية يراقب فيها مجلس نواب الشعب القضاء والمجلس الأعلى للقضاء إذ يناقش مجلس نواب الشعب التقرير السنوي في مفتتح كلّ سنة قضائية في جلسة عامّة للحوار مع المجلس الأعلى للقضاء.

وينبغي أن يكون التقرير السنوي الذي يعدّه المجلس الأعلى للقضاء مناسبة لتقييم منظومة العدالة و تقديم مقترحات تحسين جودة العدالة و تقريب العدالة من المواطن و تقليص أجال التقاضي، كما أسند الدّستور كذلك إلى المجلس مهمّة تعيين أربعة أعضاء من المحكمة الدّستورية.

الجزء الثّاني: إختصاصات المجالس القضائية الثلاثة

يتبين من أحكام الدستور أنّ المجالس القضائية الثلاثة تشترك مع المجلس الأعلى للقضاء في عدّة إختصاصات تمّ التنصيص عليها بصفة محدّدة (الفرع الأوّل) كما تحتكر المجالس القضائية الثلاثة بإختصاصات أخرى
( الفرع الثّاني) .

الفرع الأوّل: إختصاصات مشتركة بين المجلس الأعلى للقضاء وبقية المجالس القضائية الثلاثة:

لقد خصّ الدّستور المجالس القضائية الثلاثة باختصاص البت في المسار المهني وتأديب القضاة كما نصّ الدستور على عدّة أحكام تبين أنّ المجلس الأعلى للقضاء هو شريك لها في هذه الإختصاصات وبذلك فهو يلعب دورا أساسيا وحاسما في عدّة مجالات تخص المسار المهني والتأديب مثلما تبينه أحكام الباب الخامس من الدستور المتعلّق بالسلطة القضائية:

أ‌- المسار المهني

 – 1  تسمية القضاة:

تتسم تسمية القضاة بإجراءات معقّدة إذ يتدخل فيها كل من المجلس القضائي المعني والمجلس الأعلى للقضاء ورئيس الجمهورية إذ تنصّ الفقرة الأولى من الفصل 106 من الدّستور على ما يلي: – “يسمّى القضاة بأمر رئاسي بناء على رأي مطابق من المجلس الأعلى للقضاء” وتثير هذه الفقرة الملاحظات التالية:

الجهات المتدخلة في التسمية هي المجلس الأعلى للقضاء ورئيس الجمهورية وكذلك المجلس القضائي المعني باعتباره هو المختصّ في البتّ في المسار المهني للقضاة وبذلك تكون تسمية القضاة مشتركة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية وهو ما يشكّل نوعا من رقابة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.

سلطة البت ترجع للمجلس القضائي المعني (العدلي أو الإداري أو المالي) فقرار التسمية يبت فيه المجلس القطاعي ويرجع للقانون المجسم للمجلس الأعلى للقضاء تحديد سلطة المجلس القضائي في هذا الشأن إذ يمكن أن تكون سلطة إقتراح أو إبداء الرّاي وهو ما سيحسمه القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء.

فبعد نظر المجلس القطاعي يتولّى المجلس الأعلى للقضاء إصدار الرّأي المطابق الذي ينبني على ما انتهى إليه المجلس القضائي القطاعي ويعتبر دور المجلس الأعلى للقضاء في التعيين حاسما باعتباره يبدي رأيا مطابقا وهذا الرّاي يقيّد رئيس الجمهورية الذي يصدر أمر التسمية.

بعد إصدار المجلس الأعلى للقضاء رأيه يصدر الأمر الرئاسي بالتسمية الذي لا يعتبر مجرّد شكلية بل إنّه يعتبر شكلية جوهرية لإكساء الصبغة التقريرية والتنفيذية للتسمية وبالتالي فإنّ رئيس الجهورية بإصداره الأمر الرئاسي يمارس إختصاص سلطة التسمية وهذه السلطة مقيدة برأي المجلس الأعلى للقضاء ويمكن للقانون المتعلق بالمجلس الأعلى لقضاء التنصيص على الحالة التي يمتنع فيها رئيس الجمهورية عن اصدار أمر التسمية وما يتعين اتخاذه من إجراءات لتفادي تعـطـيـل إجراءات واتمام قرار التسمية.

أسباب التسمية يمكن أن تكون:

 I -الانتداب: يعتبر انتداب القضاة البوابة التي يمكن من خلالها تكريس استقلالية القضاء أو تبعيته وباعطاء المجلس الأعلى للقضاء سلطة الرأي المطابق في التسمية تكون أوّل تسمية هي الأساس الأول لإرساء قضاء مستقل وفي نفس الإطار يتعين أن تكون إجراءات الإنتداب والمناظرة من اختصاص المجالس القضائية ولا تتدخل فيها السلطة التنفيذية وهو ما يتعين أن يكرسه القانون.

 II – يمكن أن تكون التسمية بمناسبة الترقية في الرتبة، ويرجع لكلّ مجلس قضائي إعداد قائمة الكفاءة ثم تقع التسمية قي الرتبة الأعلى برأي مطابق من المجلس الأعلى للقضاء.

 III – يمكن كذلك أن تكون التسمية بمناسبة الترقية في الخطّة القضائية وباعتبار أنّ هذه الترقية تهمّ المسار المهني للقاضي فمن المتعين أن يبت فيها المجلس القضائي المعني ثم يصدر المجلس الأعلى للقضاء رايا مطابقا للتسمية وفي كلّ حالات التسمية السابقة تبقى مسألة مدى تقيد المجلس الأعلى للقضاء بما انتهى إليه المجلس القضائي القطاعي ومدى سلطة المجلس الأعلى في مخالفة وتحوير ما انتهى إليه المجلس القطاعي مطروحة ويتعين على المشرع إيجاد حلول لهذه المسائل فيمكن تصوّر أنّ المجلس الأعلى للقضاء لا يتبنّى كلّيا أو جزئيا ما أقرّه المجلس القضائي.

التسمية في الوظائف القضائية السامية يشترك في التسمية في الوظائف القضائية السامية السلطة التنفيذية برأسيها والمجلس الأعلى للقضاء والمجلس القضائي المعني باعتبار أنّ التسمية في الخطة القضائية السامية تدخل في مجال المسار الوظيفي للقاضي وتنصّ الفقرة الثانية من الفصل 106 من الدّستور على أنّه «يسمّى القضاة السّامون بأمر رئاسي بالتشاور مع رئيس الحكومة بناء على ترشيح حصري من المجلس الأعلى للقضاء ويضبط القانون الوظائف القضائية السامية» وللقضاة السامون دور أساسي في تكريس استقلالية القضاء فبحسب المهام المنوطة بعهدتهم سواء من الناحية القضائية أو من جهة التسيير فإنّ كيفية تسميتهم يجب أن تكون محفوفة بضمانات تحول دون المساس باستقلالهم ومن ثمّ استقلال القضاة الراجعين لهم بالنّظر.

ففي استقلال القضاة السّامون استقلال بقية القضاة، فهل يمكن للترشيح الحصري من المجلس الأعلى للقضاء المؤسس عليه أمر التسمية أن يحدّ من المساس باستقلال السلطة التنفيذية؟ هذا يتوقّف على تكريس هذا الاستقلال في القانون، فإرادة الدستور بضمان استقلال القضاء من جهة وإجراء رقابة عليه من جهة أخرى يجب أن لا تؤدّي إلى تغليب التدخل في القضاء وهدر استقلاله بدعوى الرقابة عليه لذلك يتعين أن يكرس القانون استقلال المجلس الأعلى للقضاء من خلال تمكينه من سيادته في اتخاذ القرارات المتعلّقة بالقضاة.

ولعلّ الدستور أخذ على عاتقه جانبا منهذه المهمّة فخصّ المجلس الأعلى للقضاء باختصاصات محدّدة ما يجعل اسنادها لسلطة أخرى بمقتضى القانون فيه خرق للدستور وهذه الإختصاصات وردت بالفصل 107 الذي ينصّ على ما يلي  “لاينقل القاضي دون رضاه، ولا يعزل، كما لا يمكن إيقافه عن العمل، أو إعفاؤه، أو تسليط عقوبة تأديبية عليه، إلاّ في الحالات وطبق الضّمانات التي يضبطها القانون، بموجب قرار معلّل من المجلس الأعلى للقضاء“.

 2- نقلة القاضي:

تندرج في مجال المسار الوظيفي للقاضي لذلك فإنّ البت فيها يرجع للمجلس القضائي الرّاجع له القاضي بالنّظر وقد حفّها الدّستور بضمانات صلب الفصل 107 أوّلها أن يصدر قرار النقلة، وبالتحديد إذا كان دون رضا، بقرار من المجلس الأعلى للقضاء الذي يجب أن يكون معلّلا ومن المعلوم أنّ النقلة تعدّ من وسائل الضّغط على القاضي في أداء مهامّه وتشكّل أداة للمساس باستقلاله.

 3- الإعفاء:

نصّ الفصل 107 كذلك علىأنّ الإعفاء يصدر بقرار معلّل من المجلس الأعلى للقضاء، ويندرج الإعفاء ضمن المسار المهني للقضاة و يختصّ بالنّظر فيه مجلس القضاء الّراجع له القاضي بالنّظر ويعتبر الإعفاء من الإجراءات التي تلجأ لها الإدارة في حالات عجز العون عن أداء المهام الوظيفية أو القصور المهني وذلك بعد توفير عدّة ضمانات كما لو أنّ الأمر يتعلق بالتأديب وبعد استيفاء عدّة إجراءات تحول دون إمكانية تمكّن المعني بالأمر من أداء حدّ أدنى من مهامّه، ونفس هذه الضمانات تنطبق بالضّرورة على القاضي بالاعتبار أنّ النّظام الأساسي الخاص بالقضاة نصّ على أنّ أحكام قانون الوظيفة العمومية المتعلقة بالإعفاء تنطبق على القضاة ( الفصل 42 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 17 جويلية 1967 المتعلق بالنظام القضاء و المجلس الأعلى للقضاء والنظام الأساسي للقضاة والفصل 36 من النظام الأساسي الخاص بأعضاء المحكمة الإدارية) و يعتبر التنصيص على الإعفاء في الدستور مسألة جديدة ومهمّة وغير معهودة في الدّساتير، ويمكن تفسير ذلك في الدستور التونسي بما حدث سنة 2012 من صدور قرار فجرئي باعفاء 70 قاضيا دفعة واحدة دون تمكينهم من أدنى الضمانات.

ب‌.التأديب الفصل 114 والفصل 107 من الدستور:

ينصّ الفصل 107 من الدّستور على أنّه « لا يعزل القاضي ،كما لا يمكن إيقافه عن العمل، أو تسليط عقوبة تأديبية عليه، إلاّ في الحالات وطبق الضّمانات التي يضبطها القانون، بموجب قرار معلّل من المجلس الأعلى للقضاء» و ينصّ الفصل 114 من الدستور أنّ المجالس القضائية الثلاثة تبتّ في التأديب وفي هذا الشأن نبدي الملحوظات التالية:

الإيقاف عن العمل لا يعتبر قرارا تأديبيا بل هو إجراء تحفّظي يتّم اتخاذه أثناء متابعة الإجراءات التّأديبية، وبالتالي يتبين أنّ المجلس الأعلى للقضاء يشترك مع المجالس القضائية حتّى في مستوى الإجراءات التأديبية ويقتضي الدّستور أن يكون قراره معلّلا وهو ما يشكّل ضمانه دستورية أخرى لفائدة القاضي موضوع التتبع التّأديبي.

بالنسبة لتسليط عقوبة تأديبية فإنّه يرجع للمجالس القضائية القيام بالإجراءات التأديبية والوقوف على صحّة ما ينسب إلى القاضي من أخطاء تأديبية لكنّ هل يكون للمجالس القضائية بالنسبة لتسليط العقوبة سلطة قرار أم اقتراح العقوبة، وقد ورد في مشروع المجلس الأعلى للقضاء الذي أعدّته وزارة العدل أن مجلس التأديب يقرر لعقوبة المناسبة ثم يحيل القرار على المجلس الأعلى للقضاء لإصدارها بما يعني أنّ المجالس القضائية تصدر قرارات تأديبية لا تصبح نافذة إلاّ بعد صدورها من قبل المجلس الأعلى للقضاء وتضمّن المشروع الذي أعدّته المحكمة الإدارية أنّ القرارات التأديبيّة تحال إلى المجلس الأعلى للقضاء ولا تكون نافذة إلاّ بعد أن يصدرها المجلس معلّلة بالأسانيد الواقعيّة والقانونيّة المضمّنة باقتراح مجلس التأديب.

ويبقى التساؤل مطروحا بالنسبة للعزل هل يكون قرار المجلس الأعلى للقضاء القاضي بالعزل تنفيذيا بذاته أم يتعين أن يصدر أمر رئاسي بالعزل عملا بمبدإ توازي الشكليات ؟

مع العلم أنّ مبدأ توازي الشكليات هو مبدأ قانوني عام لا يرتقي إلى مرتبة الدستور وبالتالي فإنّ قرار المجلس الأعلى للقضاء يمكن أن يكون نهائي وتنفيذي ولا تدخلّ فيه أية سلطة بعده لتنفيذه.

الفرع الثّاني: إختصاصات حصرية للمجالس القضائية الثّلاثة: وتتعلّق هذه الإختصاصات بالمسار المهني التي لا تشترك فيها مع المجلس الأعلى للقضاء كترسيم القضاة والإلحاق ومطالب الإحالة على التقاعد المبكر ومطالب الاستقالة وفي حالات وضعهم خارج الإطار ويرجع للأنظمة الأساسية الخاصّة ضبط كيف تبت المجالس القضائية الثلاث في هذه المسائل. ومن ناحية أخرى فقد خصّ الدستور رفع الحصانة بأحكام خاصّة وردت بالفصل 104 التي تنصّ على أنه: «يتمتع القاضي بحصانة جزائية ولا يمكن تتبعه أو إيقافه ما لم ترفع عنه، في حالة التلبس بجريمة يجوز إيقافه وإعلام مجلس القضاء الرّاجع إليه بالنظر الذي يبتّ في مطلب رفع الحصانة» بمقتضى هذه الأحكام ينصّ الدستور صراحة على اختصاص المجلس القضائي الراجع له القاضي بالنّظر وذلك في حالة التلبس بجريمة ويمكن للمشرع أن ينصّ على اختصاص المجالس القضائية الثلاث بالنظر في رفع الحصانة في غير حالة التلبّس لكن إذا تعلّق الأمر بجريمة من شأنها أن تؤدّي إلى تسليط عقوبة تاديبية يمكن أن يكون المجلس الأعلى للقضاء هو المختصّ وهو ما يتحتم أن يبيّنه المشرع كما يمكن أن ينصّ القانون على اختصاص المجالس في تقييم القضاة.

الجزء الثّالث: إختصاصات الجلسة العامة القضائية

خصت أحكام الفصل 114 من الدستور الجلسة العامّة للمجالس القضائية الثّلاثة باختصاص إقتراح الإصلاحات فاقتراح الإصلاحات يتعلّق أساسا بالإصلاحات القانونيّة والهيكليّة الكفيلة بضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاله والرفع من نجاعته وجودته وبضمان الحق في المحاكمة العادلة كما خصت أحكام الفصل 114 من الدستور الجلسة العامّة للمجالس القضائية الثّلاثة باختصاص بإبداء الرأي في مقترحات ومشاريع القوانين المتعلّقة بالقضاء التي تعرض عليها فالعرض الوجوبي يكون حتما من الجهة التي لها حقّ المبادرة التشريعية وهي رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ومجلس نواب الشعب من خلال عدد من نوابه كما يمكن للمشرع أن يعهد للجلسة العامة اختصاص النظر الاستشاري في كل النصوص الترتيبية التي لها علاقة بالقضاء ونظام العدالة. وفي الأخير يبقى تجسيم إرساء مجلس أعلى للقضاء يضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاله بيد مجلس نواب الشعب الذي من المؤمّل أن يوفي بإتمام مبادئ استقلال القضاء التي وضعها الدستور.

 

إعداد: القاضية كلثوم مريـبح(*)

 

المصدر: الصباح، 16 و 17 ماي 2015،ص 8.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)– مندوب دولة عام بالمحكمة الإدارية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى