تقارير

جلسات الاستماع العلنية: قصص تحكي وحشية التعذيب وقمة حقد وتشفّ وضحايا يريدون كشف الحقيقة وردّ الاعتبار  

 

telechargement-1

 

 

 

بعد دفعة أولى من جلسات الاستماع العلنية لضحايا الاستبداد التي عقدتها هيئة الحقيقة والكرامة خلال شهر نوفمبر، تم خلال نهاية الأسبوع الفارط، عقدت أمسيتين جديدتين يومي 16 و17 ديسمبر،بمركب صندوق الحيطة والتقاعد للمحامين بالمركز العمراني الشمالي بالعاصمة، وسط حضور كثيف ومتنوع، حيث حضر عدد من الوجوه السياسية ومكونات المجتمع المدني وشخصيات وطنية وأجنبية، مع استمرار غياب الرئاسات الثلاث عن هذا الحدث التاريخي الذيتستمع فيه الدولة التونسية لأول مرة لضحاياها.

 

وتم خلال هذه الدفعة الثانية من الجلسات الاستماع إلى 10 حالات، قسمت إلى 5 في الأمسية الأولى و5 في الثانية، وقد كانت متنوعة من حيثأصناف الانتهاك والانتماءات الفكرية والجهاتومن الجنسين، وتعلقت الشهاداتبضحايا الثورة، وبالتعذيب والسجن والمراقبة الإدارية، وأحداث الخبز، والمحاكمات غير العادلة.

 

عائلات شهداء الثورة

مكنت الجلسات العلنية التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة عائلات شهداءالثورة التونسية وفي الذكرى السادسة لها، في أمسية 17 ديسمبر، من عرض شهاداتهم على ما تعرضوا له أيام الثورة، ورواية قصص استشهاد فلذات أكبادهم، وجاءت هذه الشهادات متنوعة من سيدي بوزيد والقصرين وتالة.

انطلقت بشهادة والدي الشهيد محمد جبلي من الرقاب، حيث بيّنا أنّ محمد هو الابن الوحيد لهما وطالبا بكل إصرار بالأخذ بحق ابنهما، مشيرين إلى عدم إنصافهم في المحاكمة التي جرت، موضحين أنّه تم رفض تعقيبهم على الحكم.

ثم تحدث والدي أصغر شهيدة في الثورة، هي يقين قرمازي من حي السلام من القصرين، وعمرها 7 أشهر، والتي توفيت بعد الاختناق بالغاز المسيل للدموع كما بين ذلك والداها الذي تحدثا عن يوم وفاتها بتاريخ 9 جانفي بعد يوم سبقه كان مشهودا وتم الاعتداء عليهم بعنف شديد وبالغاز، مشيرا إلى وفاة 4 شهداء في المستشفى.

فيما عبرت والدة يقين بحرقة كبيرة واستنكار عن عدم إنصاف شهداء الثورة  ونددت بالتهميش الذي تتعرض له منطقتهم  وحالة الفقر والنسيان الذي تتعرض له القصرين، مطالبة بالمحاسبة لمن قتل الشهداء.


لتأتي بعدهاشهادة والد شهيد الثورة مروان جملي الذي تحدث عن حادثة استشهاد ابنه ومرارة فقدانه، مشيرا إلى أنه تم قنصه في ظل أحداث دارت بين يوم 03و 05  جانفي بمدينة تالة،حيث خرجت المدينة يومها متضامنة مع سيدي بوزيد في مسيرة سلمية تم قمعها من قبل جحافل من الأمن الذي انهال عليهم بالضرب العنيف، مما اغضب الأهالي فخرجوا جميعا في مسيرات مكثفة.

وأكد والد الشهيد جملي أنّه جاء لهذه الشهادة العلنية ليس للتشفي بل لكشف الحقيقة و تبيان ما تعرضوا له أيّام الثورة، مطالبا بإنصافهم بالقضاء الذي لم يفعل ذلك للأسف مشيرا أنه يعرف من قتل ابنه ومن قمعوا المسيرات بالأسماء، مشددا على أنهم يريدون حقهم بالقانون وهو الفيصل، مشيدا بما حققته الثورة من حرية فلولا دم ابنه لما استطاع أن يقول ما قاله خلال هذه الجلسات.

 

قمة التشفي والحقد حكته قصة محرزية بن العابد
“قالي ما يكمل النهار كان ما نطيح ها اليهودي من كرشك.. وبدأ يضرب فيا بالبونية على بطني.. ما وصلت العشية كان وليت ننزف.. وما وصلت للسبيطار كان ما مات الصغير في بطني”:

جملة هزّت أركان القاعة وحركت أحاسيس كل من كان جالسا أمام الشاشة يتابع شهادة محرزية بن العابد التي تحدثت عن جلادها الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء وتفنن في تعذيبها وهرسلتها في الإيقاف وفي السجن، أما التهمة فهي انتمائها إلى الاتجاه الإسلامي والنشاط في المجال الاجتماعي، فهذه التهم كانت حسب الجلاد كافية لقتل جنينها في بطنها بكل حقد ووحشية، معتبرا ذلك رجولة وشجاعة وإخلاص لأسياده ..فاي وحشية وأي حيوانية كان عليها ذلك الجلاد والذي لم يكتف بتلك الفعلة الشنيعة بل حاول التحرّش بها وتهديدها بالاغتصاب،لتتواصل هرسلتها حتى داخل مستشفى شارنيكول الذي عزلوها فيه بعد أن أخبروا الإطار الصحي أنّها تريد قلب النظام.

محرزية أكدت أنه تم الحكم عليها بـ11 شهر سجنا تمّ خلالها تعذيبها وهرسلة عائلتها، ثم حتى لما أرادت الابتعاد عن أي نشاط بعد خروجها من السجن وتعويض أبنائها فترة الحرمان وبداية حياتها من جديد، منعوها من ذلك،فلم تسلم من”سلامة أمن الدّولة” وأعادوا قصص الإيقاف والتعذيب الوحشي، منتعليق وتحرش وجلد وركل ووضع الرأس في القاذورات ووضع كماشات في الصدر وغير ذلك مما حكته محرزية بألم شديد وحرقة، خاصة وأنّ كلّ ذلك خلّف لها اليوم مرضا خطيرا.
وختمت محرزية شهادتها بالتأكيد على أنّها لا تطلب اليوم أي شيء فلا مال ولا تعويضات قادرة على تعويض تلك المعاناة والآلام.

 

نجوى الرزقي
قصة طالبة بكلية الآداب بالقيروان ذنبها الوحيد أنها انتمت إلى فكر يخالف أفكار الحاكم وأنها كانت ناشطة في العمل النقابي للدفاع عن مشاغل الطلبة وهمومهم، هذا العمل الذي لم يرق للنظام الحاكم  المستبد فحولها إلى سجينة سياسية في دهاليز سجونه بعد قصة من الملاحقات الأمنية والإيقافات والتعذيب والهرسلة التي تواصلت داخل السجون وبعنف وتشفّ كبير.

نجوى حكت قصةوفصّلت مسيرة طويلة من النضال ضد نظام المخلوع البوليسي،مسيرة اختلطت فيها الدراسة بالزواج والأمومة والسعي وراء القوت اليومي وتوفير طعامها وابنها خاصة في ظل غياب زوجها الذي كان ينشط في كنف السرية.

نجوى تحدثت عن قصة جرّها بعنف شديد من داخل المبيت الجامعي والاعتداء عليها مع رفاقها بواسطة الهراوات والعصي، ثم عن الإيقافبالمركزوالاعتداء عليها بالعنف الشديد وخاصة على مستوى الرأس والوجه والتهديد بالاغتصاب، ثم روت قصصها مع سجون القيروان وسوسة ومنوبة، بعدحكم جائربسنتين وأربعة أشهر سجنا ذاقت فيها شتى أنواع التعذيب والهرسلة.

 

 

سالم كردون
هو عميد بالجيش الوطني ومن كوادر البلاد وحماة الوطن، بدل التكريم يقع محاكمته بتهم كيدية ملفقة، أراد من خلالها المخلوع التخلص من مجموعة من الضباط العسكريين في حادثة تعرف ببراكة الساحل، مكيدة شملتمجموعة عسكريين (244 عسكريا) تم اتهامها بمحاولة الانقلاب على الحكم وتسليمه لحركة النهضة.

قصة تحدث عنها العميد المتقاعد سالم كردون أصيل مدينة قرقنة، مؤكدا أنه تعرض إلىشتى أنواع التعذيب لإجباره على الاعتراف بمشاركته في اجتماع لقيادات عسكرية في منزل ببراكة الساحل والتخطيط صحبة مدنيين ينتمون إلى حركة النهضة للانقلاب على النظام وافتكاك الحكم، تعذيب استمر لأكثر من 50 يوم في أقبية مقر وزارة الداخلية، من أشدّها صعق بالكهرباء في أماكن حساسة من الجسم وخاصة الأعضاء التناسلية مما خلف له تمزق بالخصيتين، ووضع الرأس في المراحيض والجلد والتعليق مما سبب له سقوط بدني بنسبة 55%.

ثم تحدث العميد عن مهزلة المحاكمة والحكم عليه بمدة لا تتناسب مع التهمة، حيث نال حكما بالسجن ثلاث سنوات، بتهمة المشاركة في تبديل السلطة الحاكمة والانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، رغم  اعتراف المخلوع وقتها بأنهم “غلّطوه” وقدم اعتذاره لبعض العسكريين.

كما تحدث سالم كردون عن عذابات السجن، حيث تنقل بين أربعة سجون لحقه داخلها إهمال وهرسلة وغياب تام للمتابعة الصحية وسوء التغذية مما أثر على صحته بعد خروجه وخضوعه للمراقبة الإدارية المستمرة بمعدل 8 مرات يوميا طيلة خمس سنوات.

 

قصة عبد الله بن صالح
هم مجموعة من أنصار الفكر القومي حكا قصتهم المناضل عبد الله بن صالح أصيل مدينة دوز من ولاية قبلي، الذي أكد أن قصتهم تعود أطوارها إلى سنة 1975 حيث تم إيقافهم وهم خليط من تطاوين و قبلي و مدنين وتم نقلهم إلى منطقة الأمن بقابس ومنها إلى أقبيةوزارة الداخلية بالعاصمة، حيث قضّوا اغلبها في قاعة العمليات –التعذيب- التي كانت مرعبة شكلا ومضمونا، ومورست عليهم فيها شتى أنواع التعذيب والتنكيل والتشفّي من ركل وضرب وجلد بالعصي،بقضبان حديدية ، بالحبال وبكل وحشية حد الإغماء.

ثم تم الحكم عليهم ب4 سنوات سجن، بعد أن كانوا عبارة عن وقود استغله بورقيبة بعد توترعلاقة مع ليبيا، وكانت لنا قصص عذاب وتعذيب في سجون النظام المستبد.

 

فاضل ساسي
قصة تعود إلى سنة 1984 وبالتحديد إلى أحداث الخبز الشهيرة زمن حكم بورقيبة، قصة شهادة وشهيد هو الفاضل ساسي –شهيد الخبز- حكاها للحاضرين وللمستمعين شقيقه جمال ساسي، الذي بدأها بالإشارة إلى أنّ  الشهيد كتب قبل رحيله بأيام قليلة عن رحيله بالقول «قدري أن ارحل»، فرحل برصاصة غادرة من سلاح قنّاص مستبد يوم 3 جانفي 1984، ثم واصل جمال سرد الحكاية بالتأكيد أنّ تلك الأحداث كانت القطرة التي أفاضت الكأس وخرج الشعب غاضبا إلى شارع الحبيب بورقيبة، وأنّ عدد الشهداء كان أكثر من ما حددته رواية النظام.

يواصل جمال بالقول: أما الفاضل فقدتم قنصه برصاصة 3 صم على القلب تسببت في نزيف داخلي، رصاصة موجهة وليس طائشة كما سوق البعض، مشيرا أنّ شقيقه تم دفنه وسط إجراءات أمنية مشددة، وأنذلك اليوم صادف عيد ميلاده هو، مشيرا إلى أنه تم إجبار والدهعلى الإمضاء يوميا حتى لا يقول بأن ابنه توفي بالرصاص.

وشدد جمال على أن عائلة الشهيد تريد اليوم معرفة الحقيقة كاملة، من دبر ومن أمر ومن نفذ؟ وأنهم لن يسامحوا أحدا قبل كشف هذه الحقيقة ومحاسبة الجناة

 

 

شهادة السفير السابق أحمد بن مصطفى

وللحديث عن الفساد في الدبلوماسية زمن المخلوع نصيب هذه المرة في جلسات الاستماع العلنية، حديث رواه السفير السابق أحمد بن مصطفى، الذي بين أطوار مظلمة تعرض إليها أثناء فترة عمله كسفير بالإمارات خلال 2005 – 2006  ولفقت له خلالها تهم باطلة فقط لأنه لم  يحضرإلى مطار دبي للتغطية على عملية تهريب أموال تقوم بها جليلة الطرابلسي

هذا الرفض للحضور كلفهالعزل من مهامه كسفير، ثم مقاضاته والحكم عليه بست سنوات سجن، واستمرت هرسلته إلى حدود 2011 حيث تمت تبرئته قضائيا من هذه التهم بعد الثورة.

وأشار السفير السابق إلى ضرورة  الاهتمام  بإصلاح الدبلوماسية والتي تعيش مشاكل كبيرة وتعرف تجاوزات كثيرة، مشددا على أنّ هذا الملف هام جدا ولا يقل أهمية عن إصلاح القضاء والإعلام.

 

حميدة العجنقي
قصة حميدة العجنقي الشابة التونسية الحالمة، المقبلة على الحياة، وكلها طموح أن تكون عنصرا فاعلا في هذا الوطن، كان لها وقع آخر لدى الحاضرين والمتابعين، حيث أنها ركزت في جزء منها عن تفاصيل لم يقع الحديث عنها مع غيرها، وتمثلت في قصة حفل زواجها الذي حرموها أن تعيش فرحته كأي عروس، وجلبوها إلى مركز الأمن وهي عروس وحققوا معها وتحرشوا بها وسخروا منها بعنف لفظي رهيب.

حميدة حكت كيف قسا عليها المجتمع بنظرته الدونية لفتاة كانت سجينة، وقسوة والد أرهقه ما تعرضت له وعذّبه فمنعها من خطيب أراد زواجها، لكنّها أصرّت وتزوجت منه، وكان حفل الزواج منقوص من البهجة والفرحة بسبب عدم رضا الوالد وزاده الحضور الأمني المكثف ومنع الفرقة من العزف مرارة وحزنا دفين لم ينسى إلى اليوم حسب تعبير حميدة.

 

وسردت حميدة بقية الر حلة من الهرسلة والتعذيب والإيقافات والتشفي، التي مارسها الجلاد على جسدها وعلى نفسيتها بكل عنف ووحشية وحقد دفين، صحبة صديقات لها، وعددت تلك الممارسات الشنيعة من تجريد من الملابس وتعليق وتحرش وتهديد بالاغتصاب من قبل جلادين مخمورين، إلى جانب إحضارهن لعمليات تعذيب الرجال وهم عراة، مشيرة إلى وحشية تلك المشاهد وأثرها الكبير عليها إلى اليوم، فهي من أصعب المشاهد التي مرّت عليها، حيث أن تعذيب هؤلاء الموقوفين كانت بطرق ووسائل رهيبة جدا.

وفي ختام شهادتها قالت حميدة أنّ رسالتها اليوم هي أن”يزّينا من الفرقة فالجلادون كانوا لا يفرقون عند تعذيبهم السجناء السياسيين إسلاميين كانوا أم يساريين فكلنا توانسة”.

داعية مختلف الأطراف إلى ضرورة التوحد من أجل بناء تونس الغد٬ تونس الحرية والديمقراطية كي تكون بلادنا مثالا جيّدا لجميع شعوب العالم الذي ينظر إلى ثورتنا بإعجاب كبير.
هكذا كانت الدفعة الثانية من جلسات الاستماع العلنية لضحايا الاستبداد والتي تهدف كشف حقيقة الانتهاكات ورد الاعتبار للضحاياوضمان عدم تكرارها في المستقبل وبناء مرحلة جديدة دون السعي إلى التشهير بالجلادين و مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.

وستعقد الهيئة دفعة ثالثة من الشهادات بمناسبة الاحتفاء بذكرى فرار المخلوع في 14 جانفي .

 

 

 

محمد ضيف الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى