تقارير

ارتفاع ملفت لمستوى الجريمة في تونس يفقد المواطن الطمأنينة

telechargement-1

 

 

محمد ضيف الله:

 

أصبحت الجريمة اليوم تمثل هاجسا كبيرا للتونسي، فهذه الآفة انتشرت بشكل ملفت في السنوات الأخيرة وتزايدت وتنوعت، فقد بينت إحصائيات رسمية لوزارة الداخلية، بأن عدد الجرائم خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2016 بلغ 59538 جريمة، انقسمت إلى أصناف عديدة منها الاعتداء علي الجسم البشري التي بلغت 941 قضية، تسببت في 92 عملية قتل، وجرائم المخدرات التي بلغت خلال نفس الفترة 1928 قضية، إلى جانب جرائم الاعتداء علي الطفولة والأسرة والاعتداء علي الأمن العام وجرائم السرقات والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة.

الإعلام بيّن كم الجرائم وساهم في توسعها:

أكد الدكتور أحمد الأبيض أنّ الجريمة هي فعل منحرف وهي أيضا كل سلوك اجتماعي لا يركن إلى منظومة  القيم الاجتماعية وهي سلوك مرفوض يعاقب عليه القانون وتستنكره البيئة الاجتماعية،  وهي آفة عجزت الدولة والمجتمع على احتوائها وعلى معالجتها وعلى الحد منها أمام ضعفها والتراخي في تطبيق القانون، وتساهل القضاء نوعا ما، الشيء الذي شجع المنحرفين على الإجرام، فالمجرم بات اليوم يستسهل العقاب ويأمل في حصوله على العفو بعد مدة قصيرة من ارتكابه لجريمته.

كما أشار الدكتور الأبيض إلى أنّ هذه الظاهرة قديمة في مجتمعنا شأنه شأن كل المجتمعات، وان كانت في ما مضى بصفة أقل مما هي عليه الآن، لكن ما تغير اليوم، هو أنّ الإعلام أصبح ينقلها ويغطيها بشكل كبير ويتتبعها، حيث تنتشر أخبارها بسرعة بين الناس.

وقال الدكتور أحمد الأبيض أيضا أنّ للإعلام دوره ومساهمته بشكل كبير في نشر والتشجيع على الجريمة من خلال تعاطيها معها فهناك للأسف إعلام بيّض الجرائم ودافع عن المجرمين وبرر أفعالهم وتعاطف معهم، وهذا ما نلحظه في المسلسلات المعروضة وفي البرامج التلفزية الممنهجة.

أنواع الجرائم:

القتل:

يمكن تصنيف الجريمة إلى أنواع،  نذكر منها الأخطر وهي جريمة “القتل” والتي تنتشر في مجتمعنا بكثرة، وأمّا أسبابها فالمال والانتقام والشرف وغيرها من الأسباب التي تكون في أغلب الحالات تافهة وبسيطة،  ولعل من آخر الجرائم في هذا المجال ما حدث في مدينة جلمة من ولاية سيدي بوزيد، حيث أقدم شاب لا يتجاوز عمره ال16 سنة على قتل والده ببندقية صيد بسبب خصام بسيط، وأيضا جريمة قتل بالحامّة من ولاية قابس والتي أقدم خلالها  كهل على قتل أخا له بسبب خلافات عائلية، ليرد أبناء القتيل الفعل ويعتدون على زوجة الأخ القاتل ويقومون بحرق منزله.

إلى جانب جريمة قتل بشعة حدثت بالقصرين قبل أيام والتي قام خلالها مجموعة من الشباب بطعن شاب من أقاربهم على اثر خلاف بينهم، وأيضا جريمة بشعة في جرجيس في بداية الشهر الفارط، طبعا إلى جانب عديد الجرائم الأخرى التي أحدثت ضجة كبيرة كمقتل الطفل ياسين بالملاسين وغيرها.

السرقات والبراكاجات:

انتشرت في مجتمعنا السرقات والسلب والنشل من الشوارع وفي مختلف وسائل النقل ومختلف الفضاءات التجارية والمؤسسات العمومية والخاصة، فهذه الظاهرة تكاثرت وتنوعت، فمن السطو على المنازل وخلعهم، إلى السرقة في الزحام والغفلة، إلى النشل والخطف بالقوة أمام الجميع، إلى السرقات المتخفية بالمؤسسات والإدارات، فنذكر مثلا انتشار سرقة أمتعة المسافرين بالمطارات من قبل أعوان المطار، فقد كثرت التشكيّات في مطاري تونس قرطاج  وجربة من هذه الظاهرة، حيث تم قبل أيام إلقاء القبض على مجموعة من الأعوان متلبسين بسرقاتهم في مطار قرطاج.

أما البراكجات فهي تتكرر في اليوم مئات المرات وفي كل الأماكن، مستهدفة خاصة الهواتف والمصوغ والأموال وحقائب النساء اليدوية، ونذكر أنه خلال هذه الأسبوع تم القبض من قبل أعوان فرقة الّشرطة العدليّة بالسيجومي على عصابة تتكّون من 3 أنفار كانوا يهّددون الماّرة بسلاح أبيض ثم يسلبونهم أموالهم وأغراضهم، والذين اعترفوا في التحقيق أنهم سلبوا أكثر من 10 أشخاص تحت التّهديد بسّكين، ومن بينهم طالبة وعون أمن وتلميذ ومدير فرع بنكي وقاضية وغيرهم من الضحايا.

الباركاجات في وضح النهار:

يقوم المنحرفون خلال عملية “البراكاج ” بقطع الطريق على مستعمله وإيقافه بالقوة وسلبه ما يملك تحت التهديد والعنف المسلح، حتى أنها أصبحت مهنة عند العديد من المنحرفين، كما أنها أصبحت تتم في الطريق العام وفي الأحياء بل حتى في المنازل وفي وضح النهار بعد أن كانت تتم في أماكن معزولة و في أوقات متأخرة وتحت جنح الظلام وبعيدا عن أعين الناس.

فقد أصبحنا اليوم أمام تطور خطير وملفت للنظر فالمجرم اليوم اكتسب الشجاعة والجرأة التامة على ارتكاب جريمته على الملأ وأمام الناس وفي الأماكن العامة والجميع يراقبونه دون أن يحركوا ساكنا.

فهو يمتطي وسيلة النقل بكل راحة بال ويتصيد فريسته بتأني كبير وينفذ عمليته بكل هدوء والناس “يتفرجون” وكأنهم أمام شاشة التلفاز يشاهدون شريطا سينمائيا،  كذلك الأمر في الشارع وفي الفضاءات الكبرى وفي الأحياء وهذا الأمر فعلا مخيف ويعبر عن حالة الأنانية  واللامبالاة التي وصلنا إليها وعن غياب اللحمة والتعاون ومساعدة الناس لبعضها البعض، فقد أصبح المواطن يسلب ويعنف وتفتك أشياءه أمام أعيننا فنكتفي بالمشاهدة والمراقبة بكل سلبية.

والبراكاجات يمكن أن نعتبرها من أخطر الجرائم لاعتمادها على الأسلحة الخطيرة  كالخناجر والسيوف والسكاكين والغاز المشل للحركة وشفرات الحلاقة و”الصاعق الكهربائي” وقد تنتهي بقتل الضحية إما لاستماتته في الدفاع عن نفسه أو لإخفاء الجريمة.

 الظاهرة تجتاح الإناث :

المرأة كانت تمثل  في الغالب الضحية الأكثر استهدافا من قبل المجرمين لطبيعة تركيبتها البدنية والنفسية لكن اليوم وفي ظل هذه الأوضاع وهذا التفكك الأسري وانتشار الإجرام وكثرة الانحراف، أصبحت عنصرا فاعلا فيه وأصبحنا أمام منحرفات، متسكعات يسرقن ويسلبن ويهددن ويقتلن ويتحيلن وأمام  مخمورات، ومتعاطيات للمخدرات، لا رقيب ولا رادع لهن فقد سجلت عدة قضايا إجرام ضد فتيات في مختلف أنواع الجرائم وفي مختلف الأعمار وهذه شيء خطير وجب التصدي له.

أسباب الجريمة:

أكد الدكتور أحمد الأبيض أنّ أسباب الجريمة متعددة  ومختلفة، منها الوضع الاجتماعي كالبطالة والصعوبات الاقتصادية والتي تعقدت خلال هذه السنوات، وأيضا من الأسباب انتشار المخدرات وشرب الخمور، إلى جانب المنظومة التعليمية والثقافية التي تركها النظام السابق والذي كانت له خطة واضحة لضرب القيم والمبادئ وتجفيف المنابع الدينية والتي خلفت حالة من الانحلال والتسيب الذي ساهم في انتشار الانحراف وكثرة الجريمة.

في حين يرجع علم النفس انتشار الجريمة إلى عديد الأسباب، التي تنقسم إلى أسباب اجتماعية وأخرى نفسية واقتصادية، كالعقد النفسية ومركب النقص لدى الشاب خاصة في سنوات المراهقة، إلى جانب التهميش الاقتصادي والفقر والحاجة

البطالة والانقطاع المبكر عن الدراسة والجهل وغياب التوعية وانعدام الثقافة، إلى جانب حالة التفكك الأسري وغياب دور العائلة وغياب التأطير والردع.

كذلك من الأسباب الأخرى الانحراف القيمي والتشرد بالشوارع والخمر والمخدرات  وغياب الرادع الأمني خاصة في السنوات الأخيرة بسبب التركيز على الأمن السياسي وعلى محاربة الإرهاب على حساب قضايا الإجرام والحق العام.

الحلول الممكنة لمعالجة الظاهرة و الحد منها:

في حديثه عن الحلول الممكنة أكد الدكتور أحمد الأبيض أنه لابد من توعية ثقافية داخل الأسرة ثم المدرسة ثم المجتمع وتربية الأفراد تربية سليمة على سلم القيم الاجتماعية ومبادئه، ثم لابد للدولة أن تستعيد دورها في المعالجة الأمنية واعتماد الردع والعقاب بكل جدية وحزم بعيدا عن التدخلات والوساطات وغيرها من الطرق الأخرى، مع ضرورة تفعيل المراقبة الأمنية أمام المؤسسات التربوية وحمايتها من تواجد المنحرفين الغريبين عنها، مع توفير أجهزة ناجعة متطورة تمكن من الرقابة التي تجعل الأفراد يحترسون منها وتمنعهم من الجريمة.

ما نخلص إليه هو أنّ هذه الظاهرة وفي ظل هذا الانتشار الملفت تتطلب دراسات معمقة، جديّة، فهي ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد ولا تعالج بسهولة كما أنه لا يمكن القضاء عليها نهائيا وإنما يمكن السعي للحد منها في المراحل الأولى،  وهذا ما يتطلب إرادة قوية وكبيرة من قبل مختلف الأطراف ومن كل الجوانب المحيطة بها اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا وسياسيا.

فقد تحدث بعض علماء النفس عن ضرورة تأهيل المجتمع اليوم لقبول السجين الخارج واحتوائه وإعادة دمجه  حتى لا يعود إلى ارتكاب مثل تلك الأفعال.

مع ضرورة توفير الإحاطة النفسية بالمجرمين أثناء وبعد فترة عقوبتهم  ومحاولة إنقاذهم من براثين تلك الآفة ومساعدتهم على الخروج من حقل الإجرام والانحراف، وحثهم على الإقبال على الحياة السوية، ومساعدتهم اقتصاديا بتوفير مواطن شغل أو في بعث مشاريع تحميهم من التشرد والإجرام.

كما تحدث علماء النفس وعلماء الاجتماع عن ضرورة التفكير في إحداث عقوبات بديلة عن السجن أكثر فاعلية، كما فعلت عديد الدول المتقدمة  بعد فشل عقوبة السجن في خفض معدل الجريمة، فكثرة المنحرفين تملأ السجون وتجمع بين المنحرفين مما يجعلها ربما مكانا لتفريخ المجرمين أكثر من أن تكون رادعا للإجرام.

 

 

 

 

             

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى