رأي

17 ديسمبر 2010 /17 ديسمبر 2016: 6 سنوات على ثورة حرّرت التونسيين

 
6 سنوات تفصل بين اليوم ولحظة إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده لتندلع شرارة الثورة في البلاد والمنطقة. 6 سنوات خبر فيها التونسيون، رغم الأزمات والصعوبات، معنى ان يكونوا أحرارا 6 سنوات منذ أن بات الجيل الذي واكب الثورة وعايشها محظوظا فـ «المرء لا يرى أكثر من ثورة شعبية واحدة في حياته لو كان محظوظا» ونحن كنّا محظوظين وان سعى البعض الى ان يسوق لنا العكس، ويجعلنا نلعن «حريتنا» التي سلبت منّا.

منذ ست سنوات وفي مثل هذا الوقت، اختارت عائلة بن علي ان تمضي عطلتها خارج تونس، التي تساءل زهير اليحياوي/التونسي، شهيد الانترنت، ان كانت قد باتت مملكة أم سجنا كبيرا أم حديقة حيوان يسودها قانون الغاب. بعد 23 سنة على وصول بن على الى الحكم اثر انقلاب ابيض و55 سنة على الاستقلال وحكم حزب واحد.

إجازة سنوية لم يقطعها بن على ليعود الى تونس التي اقدم فيها احد أبنائها على إضرام النار في جسده معلنا انطلاق انتفاضة شعب على سرقة رغيف خبزه ولجم فمه ومنعه من الكلام، بل وغلق كل فضاءات تسمح له بذلك، ليحجب النظام وساسته مواقع «يوتوب» و»الديليموشن» والعشرات من المواقع التي باتت اليوم وسيلة لنشر خطاب يحقّر الثورة وأهلها الذين مات منهم العشرات وجرح المئات، في انتظار القائمة الرسمية التي لم تصدر بعد.

6 سنوات، هو ما يحتفل به التونسيون، وان ابى البعض ان ينغصوا علينا الاحتفال، على بداية تحرر شعب من قمع نظام بلغ عدد مساجينه السياسيين أكثر من 40 ألفا طوال 23 سنة، من الحكم الفردي الذي بات حكم مافيا واسر الرئيس استحوذت على ثروات التونسيين.
6 سنوات هي ما يفصل بين اليوم واليوم الذي انطلق فيه انهيار نظام اثرت حاشيته وأفقر شعبه، بخروج المحتجين في 17 ديسمبر 2010 تضامنًا مع محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في نفس اليوم، قبل ان تنتشر هتافاتها المطالبة بالخبز والحرية والشغل ضدّ «عصابات السرّاق» التي كانت تمثلها عائلتا بن علي وحرمه.

حجم الثروات المنهوبة والمهربة خارج تونس، عدد الشركات والقصور والعقارات، ليست هي الجرم الأشنع بل هو مصادرة حقّ الحياة وانتهاك حرمة الجسد والعيش الكريم لكل التونسيين دون استثناء، وهي افظع ما مارسه نظام تسلطي قمعي، يحاول البعض اليوم ان يقدمه على انه نظام كفاءات جلبت الخير والرفاه لتونس. متكئين على تعثر مسار ثورة مسّت من مصالحهم.

6 سنوات هي عمر ثورة تونس، وهي عمر الحرية في بلد يحاول اليوم ان يحقق الاستحقاق الاجتماعي والتنموي للثورة، بعد ان حقق الاستحقاق السياسي، 6 سنوات هي الفترة التي تداول فيها 3 رؤساء على قصر قرطاج الذي لم يجلس على كرسي الرئيس فيه غير اثنين، عدّلا من دستور الجمهورية التونسية الأولى ليجعلاه مناسبا لهما ولنظامهما السياسي الذي زجّ بكل من عارضه واختلف عنه من سياسيين وأصحاب الرأي في السجون والمعتقلات السياسية.

6 سنوات حملت معها حلم التونسيين في العيش الكريم ولا تزال تحمل معها الكثير من الأحلام، فالسياقات تغيرت والمناخ السياسي وبعبع الخوف ولّى، سنوات شهدت خلالها تونس أحداثا بيّنت ولاتزال ان مسار ثورتها كان الأفضل من البقية، وانه وضع البلاد على مسار سليم، يمنح التونسيين فرصة خلق الاستثناء في المنطقة. استثناء عبرّت عنه الثورة التي يحاول من منحته صوتا ليجاهر به أن يضربها في مقتل، ان يعلن انها مؤامرة غربية وان يشتم أصحابها ويشيطن من أضرمها بإضرام جسده، وان يخرس أصوات من كشفوا زيف وجرم النظام السابق، وكيف عذّب وقتل وانتهك مواطنين تسلّط عليهم.

ثورة غيرت واقع تونس ومعاشها، أخلت سجونها من «المضطهدين» و«أصحاب الرأي» ، وان وقع خطأ إخلائها من الإرهابيين في وقت ما. ثورة كانت مدخل تونس للجمهورية الثانية، ومنحت قضاءها استقلاليته وحرّرت إعلامها وفتحت المجال العام للعمل السياسي والنقابي والجمعياتي. حتى امام خصومها الذين أسسوا أحزابا تقوم على خطاب مقارنة القديم بالجديد.

مقارنة تهدف الى استغناء التونسيين كما فعل نظام بن علي، وتقايضهم من جديد بين الخبز والحرية، وتكتم أفواههم وتخونهم، يوم كشفوا بشاعة أساليب التعذيب الذي ارتكب في فترة نظام بن علي الذي ضمن له قضاء ما بعد الثورة محاكمة عادلة لم يضمنها نظامه لاي كان ممن عارضوه.

مقارنة تقوم على سحب الأهلية عن المجتمع التونسي الذي يراد له ان يعود تحت الوصاية وان يخير «الأمن» على حريته ومستقبل أجياله القادمة، وان يسقط في فخ مقارنة بين السابق والحالي، الذي ورغم كلّ ما عاشته تونس من أزمات وتعثر يظلّ خيرا من حكم مافيوزي رحل ولم يظلّ غير من يتحسرون عليه.

«لا يزال الأغبياء يتصورون أن الثورة قابلة للهزيمة/ تشي جيفارا».

 

المصدر: المغرب، العدد 1627ّ، 17 ديسمبر 2016، 4.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى