رأي

تونس والإسلام والثورة[1]

images

 

علي عبد اللطيف اللافي:

 

كانت تونس على مدى ثلاثة آلاف سنة مهدا لحضارات عريقة توالت عليها، وجعلت منها أرض اللقاء والحوار والتسامح، فهي وريثة قرطاج، وهي السبّاقة الى فتح عهد الحرية والديمقراطية، وظلت دوما متفتّحة على محيطها، مؤثرة فيه و متأثرة به.

وكانت في كل محطاتها التاريخية، أرضا للتلاقح الثقافي والتفتح الحضاري، بما أهلها للإسهام اسهاما فاعلا في اثراء الحضارة الإنسانية، فانطلاقا من ارضها، أشّع الفتح الإسلامي على مختلف الاتجاهات، حيث كانت جسر عبور نحو أوروبا للحضارة العربية الإسلامية، ولقيم الاعتدال والوسطية، كما اضطلعت بدور بارز في نشر الدين الإسلامي الحنيف وتركيزه، عقيدة وحضارة، بإفريقيا والغرب الإسلامي (شمال افريقيا والأندلس) وجنوب الصحراء الكبرى، وقد مثلت القيروان والمهدية وتونس منارات مضيئة للعلم والمعرفة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وفي العالم الإسلامي…..

وكان جامع الزيتونة المعمور الذي تأسس سنة 116هـ/734م، أسبق المعاهد التعليمية في العروبة والإسلام مولدا وأعرقها في التاريخ عهدا، وقد حمل مشعل الثقافة الإسلامية أكثر من ثلاثة عشر قرنا بلا انقطاع، كان خلالها مؤهل تدريس العلوم الشرعية، ونشر القيم الإسلامية الزكية، وظل على مرّ العصور قطبا للتعليم والبحث والاجتهاد. وأصبح أكبر جامعة إسلامية تخرج منها أجيال من العلماء الأفذاذ، أمثال علي بن زياد (المتوفي سنة 183هـ / 799م)، الذي بعث نفسا علميا جديدا ومنهجا متميزا في تدوين العلوم ودرس المسائل، وكان أول من أسس المدرسة الفقهية النقدية بإفريقية التي اقترنت بأسد ابن الفرات والامام سحنون، فعدّت آثارها من أصول الفقه المالكي، ونستحضر في هذا الإطار عددا من الأسماء البارزة في مجال الفقه الإسلامي من أمثال عبد الله بن أبي زيد القيرواني (ت:386 هـ/ 996م) والإمام المازري (تــــ536 هـ / 1141م) والإمام ابن عرفة (تـــ803 هـ/ 1400م) والعلامة ابن خلدون (تــ 808هـ / 1406م)….

ومن مفاخر الزيتونة، أنها كانت موطنا تخرّج منه العديد من روّاد الحركة الإصلاحيةـ وكان لآراء الشيخ محمود قبادو وسالم بوحاجب ومحمد بيرم الخامس، دور كبير في اصلاح التعليم الزيتوني وفي تفتحها على علوم العصر، وقد جابه الشعب التونسي بكل بسالة وشجاعة محاولات النيل من هويته الحضارية، مبديا على الدوام ثباتا في مقاومة جميع أشكال الاستعمار والهيمنة، وعزما لا يلين في التصدي لأي مظهر من مظاهر الزيغ والانحراف، وأكد باستمرار، ارادته القوية للمحافظة على طابعه العربي والإسلامي، كما واجه بصمود الاستعمار الفرنسي الذي جثم على أرضه مدة خمس وسبعين سنة…..

وبفضل مواقف شيوخ الزيتونة المُستنيرين، والنخب الفكرية من الصادقين، وغيرهم من المثقفين، وبفضل جهود المصلحين والزعماء والمناضلين، أمكن احباط محاولات السلط الاستعمارية المتكررة ونواياه الرامية الى الاستلاب الثقافي والحضاري والى تقويض القيم المتأصلة في نفوس التونسيين والتونسيات….

وكان الذود عن الدين الإسلامي الحنيف، والدفاع عن مقدساته في مختلف اطوار تاريخ الحركة الوطنية من أجل التحرر والانعتاق، خير حافز لتعبئة الفئات الشعبية قصد مقاومة الاحتلال وافشال مخططاته الرامية الى النيل من ثوابت الشعب وهويته…

وعلى أساس هذه الرؤية الواضحة، ظلّ الإسلام في هذه الربوع مقوّما أساسيا للشخصية الوطنية، ومن أقوى ما يوّحد بين التونسيين، وهو الى ذلك، دين يرفض التحجّر والانغلاق والغلوّ، ويحضّ على الاعتدال والوسطية والتكافل ومسايرة التطور العلمي والتكنولوجي…..

ولقد ساهمت ثورة 14 جانفي 2011، من خلال سلميتها ومطالبها المشروعة بدك حصون الاستبداد وبلورة مرحلة جديدة تستجيب لتطلعات شعبنا نحو الأفضل مع الدعوة الى ضرورة التمسك بالهوية الحضارية والانفتاح على معالم الحداثة والمدنية….

كما عملت على تشريك كافة التونسيين في إدارة الشأن العام داعية إياهم الى تكريس جهودهم وإرساء قواعد الإسلام والارتقاء بالشأن الديني الى الانتظارات الوطنية المنشودة، بل واستطاعت الثورة التونسية أن تمكن التونسيين بالتوحد في التصدى للإرهاب وجحافله ومن يقف وراءه من داعمين وممولين اقليميين ودوليين أرادوا حرق الثورات العربية عبر مخططات كبيرة ومن أجل تشويه الإسلام عبر إعادة استنساخ مشاريع قديمة وجديدة على غرار

أ- “خطة تجفيف منابع التدين” في بداية التسعينات والتي تصدت لها أحزاب وجمعيات وكشفت تفاصيلها[2]….

ب- خطة تلويث منابع التدين التي شرع في تنفيذها سنة 2000 بدون كشف النقاب عن تفاصيلها لان نظام الرئيس المخلوع كان يخنق الحياة السياسية وأنشطة المجتمع المدني ….

ت- عمد النظام قبل الثورة ومنظومته بعدها أيضا لتشجيع أنشطة ومخططات الأحباش وكل التيارات الهدامة إعلاميا وسياسيا مقابل تشويه الجمعيات الإسلامية والناشطين الذين لا يدورون في فلك المنظومة القديمة…

ث- كما يعمل البعض حاليا على إعادة التصوف الطرقي لواجهة الأحداث لأداء أدوار معروفة ولعبتها بعض طرق عنج قوم المستعمر في نهاية القرن التاسع عشر…

وبمناسبة الذكرى السادسة لاندلاع ثورة الحرية والكرام، لابد للتونسيين من الاستفادة من تاريخهم وخصوصياتهم الحضارية والجغرافية بل و الوعي ان الإسلام كان ولا يزال صمام امان من اجل الكرامة والحرية والسيادة الوطنية، وأنه مثلما ساهم في نشر حضارة العرب في ربوع العالم سيكون اليوم رافدا ثقافيا لحياة سياسية تمكن تونس من ان تتحول فعليا وعمليا الى نموذج يُحتذى ومثال يُقتدى لبقية البلدان العربية والافريقية، ذلك ان الهدف الأسمى يبقى إسعاد الناس كل الناس والأرض كل الأرض، وهو ما يمكن من اشعاع تونس بعد المضي في تحقيق أهداف الثورة واستكمال مهامها الوطنية وبالتالي تلتقي أهدافها البعيدة مع مقاصد الإسلام وطبيعة شعبها الفريد الذي أدار العالم  ذات أيام خالدة بين 17 ديسمبر 2010 و 14 جانفي 2011 ….

العدد 2 بتاريخ 12 أكتوبر 2012 ص03

 

المصدر: شمال افريقيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  المقال نشر في نسخته الأولية بنشرية الخبر الإسلامي التابعة لوزارة الشؤون الدينية التونسية سنة 2012 – العدد الثاني بتاريخ 12 أكتوبر 2012، ص 03

[2] نشرت الصباح تفاصيل الخطة في صائفة 1991

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى