رأي

تونس.. شباب يفضّلون البطالة

 

 

05-3121

 

من المفارقة أن يجلس الشاب التونسي العاطل من العمل في المقهى، ويأتيه العمل اليدوي المتواضع فيرفضه؛ بحجّة أنه لا يليق به، في الوقت الذي لا يملك فيه سوى ثمن قهوته وربما يكون مستدينًا إياه. بينما في المقهى المقابل، يجلس رجال قد تجاوزوا السّتين عامًا ينتظرون بلهفة قدوم مستأجر ليوم أو أكثر بأجر يومي في حدود العشرة دولارات.

لا تستغرب إن مررت في السادسة صباحًا أمام مقاهي الشغالين المنتشرة في قُرى تونس ومدنها المتواضعة، وشاهدت رجالًا شيًبا بظهور منحنية يحملون المعاول وينتظرون حظّهم في يوم عمل في مجال الفلاحة وخدمة الأرض.

قد يبدو الأمر عاديًا عند المرور بعد الظهيرة لنجد المقاهي تعج بالشباب الذي يشتكي من البطالة. التّناقض يتجلى ها هنا وفي هذه الحيثية الاجتماعية حيث يعمل من هم في سن التقاعد بسبب الاحتياج، بينما يعزف الشباب عن الأعمال الشاقة والخالية من التأمين مفضلين البطالة.

الطّاهر العصفور (68 عامًا) يقول لـ “جيل”: “نشأت على خدمة الأرض وخبرت هذا العمل حتى قبل أن يشتد ساعدي، فوقتها كان لهذا العمل مكانة في المجتمع وضمن لنا حياة عادية”. يضيف: “نحن العمّال اليوميين إذا عملنا يومًا نتقاضى عليه أجرًا وإن لم نعمل فلا مورد رزق لنا. لذلك نحن مضطرون للعمل لآخر يوم في حياتنا”.

هذا القطاع يفتقر إلى أدنى قواعد التنظيم والهيكلة. يجلس العمال في المقهى وأحيانًا على الرصيف من السادسة صباحًا في الشتاء، وقبل تلك الساعة في فصل الصّيف؛ منتظرين قدوم الفلاحين لتوظيفهم حسب حجم العمل ومدته بأجرة لا تتجاوز العشرة دولارات دون تغطية اجتماعية أو جراية تقاعد. إضافة إلى أن ظروف العمل صعبة جدًا؛ حيث تفتقد الأدوات العصرية وشروط السلامة والتأمين مع ساعات عمل لا تقل عن التسع ساعات.

الفلاحون بدورهم يشتكون من تواضع مردود هؤلاء العمال الطاعنين في السن. فمحمد بلها فلاح من منطقة منزل تميم يقول: “تواجهنا مشكلة تقدم العمال في السن وعدم وجود أيد عاملة فتية. لا ألومهم فهم في حاجة إلى العمل، بل إنني أحترمهم لإصرارهم وتشبثهم بالمهنة التي تركها الشباب لقسوتها”.

الفلاحون متواضعو الدّخل يفتقرون في عملهم إلى الآلات الحديثة؛ فيتم التعويل أساسًا على اليد العاملة البسيطة التي يجب أن تكون يدًا قوية لا تمل ولا تكل حسب تعبير بشير (30 عامًا) الذي اتجه إلى العمل في مجال البناء بعد فترة من البطالة عوض عن العمل في الحقول. رغم أن والده كان فلاحًا، فهو يرى أن هذه المهنة اقل تعبًا ويمكن أن تتطور فيها من عامل بسيط إلى بنّاء محترف وقد يحالفك الحظ مثل كثيرين وتصير مقاولًا.

يكاد هؤلاء العمال أن يختفوا مع مرور الأيام بسبب تقدمهم في السن وعدم قدرتهم على مواصلة العمل رغم محاولتهم ذلك، ورفض الشباب له. ففي أوقات الذروة يكاد يخلو السوق منهم إلى درجة أن المحاصيل تتلف ولا يجد الفلاحون عمالًا لجني الطماطم في فصل الصيف أو الزيتون في فصل الخريف والشهر الأول من الشتاء.

يَعتبر أغلب الشباب أن هذا العمل لا يناسبهم وأن مصيرهم سيكون مثل من سبقوهم؛ لأنه بالإضافة إلى قسوته فهو غير مستقر ولا مجال للطموح فيه.

أًنس المؤدب (20 عامًا) يقول إنه يعاني في الوقت الراهن من البطالة بعد أن كان يعمل مساعدًا لسبّاك بـ 15 دولارًا في الأسبوع. ورغم أن العمل في مجال الفلاحة يوفر له أجرًا أفضل بكثير، إلا أنه من غير الممكن أن يفكر فيه لأنه شاق ولا يمكن أن يبني له مستقبلًا دون أن يمتلك أرضًا.

إلى جانب ذلك، لا توفّر هذه المهنة أفقًا ماديًا، كما لا تؤمّن ضمانًا بالعمل اليومي؛ حيث تأتي أيّام يكون فيها الطلب كثيفًا على العمال وأحيانًا أخرى ينخفض ويصير اختيارهم انتقائيًا؛ فيصعب أن يشتغل أي عامل شهرًا كاملً، وهذه من أهم المشاكل في هذا القطاع الفقير.

سامي الخياري شاب آخر يتنقل من عمل إلى آخر وأكثر أيامه بطالة. ورغم ازدهار الموسم الفلاحي في هذه الآونة، إلا أنه يعرض عن العمل فيه لأنه يرى أن لا علاقة له به؛ فهو لم يهتم بالفلاحة يومًا كما أنها لا يمكن أن توفر له حياة كالتي يتمناها.

المشكلة الرئيسية في الفلاحة المتواضعة تقنيًا تكمن في الحاجة الماسة إلى يد عاملة خبيرة وقوية، وهو ما بات مفقودًا هذه الأيام في الشباب الذي لم يعد يعيرها أهمية نظرًا للاعتبارات السابقة، إضافة إلى أنها في نظره مجرد عذاب ونشاط بدائي.  فهو يخير أن يجلس في المقاهي يوما كاملًا بلا عمل يشتكي سوء الأحوال ويشتُم الطبقة الحاكمة من أن يتوجه إلى الحقول تحت الشمس الحامية في الصيف أو في البرد القارس في الشتاء.

ياسين الزواغي (23 سنة) يرى أن الفلاحة مهنة متوارثة وأنها مدمرة للأجساد بسبب الظروف الصعبة التي يشتغل فيها الأجير بنسق العمل اليومي المرهق. وحتى إن كنت تتقاضى مبلغ 200 دولار في الشهر ستجده في النهاية مجرد مصروف يومي لا يمكن أن يبني لك مستقبلًا بأي حال من الأحوال.

في زمن اكتسح فيه الروبوت في الدول المتقدمة، انتهت معظم الأعمال الشاقة وتحققت للإنسان سبل الراحة وتحرر من الأدوات الخشنة، لكن لا تزال الفلاحة غير المتطورة في بلد مثل تونس التي تبحث عن اليد العاملة البسيطة لتحقيق مردودية متواضعة.

ورغم توفر الطاقة البشرية العاملة، إلا أنها تُعرض عن هذه المهنة حيث يتوق الشباب إلى أفق أفضل وأرحب ويرفض أن يعالج الأرض لأنها لم تعد مصدرًا للحياة كما كانت في ما مضى، بل هي عنوان الشقاء.

 

 

جيل 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى