رأي

استراتيجية حركة النهضة بعد تقييم تجربة الحكم: كلّ شيء يهون من أجل التجذّر في المجتمع وفي المشهد السياسي التونسي

 

 

3770b2ac73f214594e7a40b36e73632b_xl

 حسان العيادي

يوم أمسكت حركة النهضة بمقاليد الحكم، ظنّت انها بلغت مرحلة التمكين، وان صدامها السابق لم يكن إلا مع أجهزة أمنية والسلطة الحاكمة فقط، لتكتشف تباعا ان صدامها مع جزء هام من المجتمع التونسي ينظر إليها على أنها حركة سياسية «منبتة» عنه تحركها أهواء ونوازع مشرقية.

قطيعة انتهت بخروج الحركة من السلطة تجنبا لانهيار البيت فوق رؤوس قادتها، ولكن انتهت بان استفاقت الحركة على حتمية «التونسة» وان تجذّر نفسها في المجتمع والشارع خلال السنوات القادمة عبر استراتيجية وضعتها بعد التقييم ، قبل معاودة البحث عن مسك مقاليد الحكم.

تستمر حركة النهضة في محاولة فهم ماذا حدث لها خلال تجربة الحكم، وكيف أجبرت على التنازل عنه، كخطوة لتحدد كيفية التعامل مع التطورات الاجتماعية والسياسية في تونس وخارجها. فالحركة التي مسكت بمقاليد السلطة التنفيذية الفعلية بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي منحتها الأكثرية في المجلس التأسيسي وجعلتها هدفا واضحا لخصومها. وخصوم الحركة كانوا أكثر مما ظنت هي.

مجتمع مدني ينظر إليها بريبة، نخبة ثقافية تعاديها إيديولوجيا، أجهزة الدولة من قوات امن وجيش وإدارة تتعامل معها باحتراز وتحفظّ وجزء من الشارع جيّش طوعيا ضدّها وعارضها، ورفض دولي وإقليمي تفاقم مع مرور الوقت.

توليفة أجبرت الحركة على التنازل عن الحكم والبحث عن مخرج آمن، بعد اغتيال عضو المجلس التأسيسي والقيادي بالجبهة الشعبية محمد البراهمي في 25 جويلية 2015، وهو الاغتيال الثاني الذي شهدته تونس بعد اغتيال بلعيد في 6 فيفري من نفس السنة. لكنها في المقابل مهّدت لقبول الحركة في المشهد السياسي من قبل خصومها، الذين جلسوا الى ذات الطاولة في حوار وطني اشرف عليه اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف وعمادة المحامين ورابطة حقوق الإنسان. وانتهى بتعيين حكومة المهدي جمعة وصياغة الدستور الجديد. منذ ذلك التاريخ، أي جانفي 2014، عكفت حركة النهضة على وضع إستراتيجية جديدة هدفها تلافي الأخطاء والعقبات التي واجهتها في تجربة حكمها.

 

بداية التغيير
إستراتيجية الحركة انطلق التعبير عنها كأفكار فردية اريد بها جس النبض، على غرار فكرة التوافق في الحكم، التي أطلقها العجمي الوريمي لأول مرة في بداية 2014 في حوار مع «المغرب» قال فيه ان النهضة تعتبر ان حكم تونس من قبل قوة سياسية بمفردها أمر غير مقبول في السنوات العشر القادمة. مع التشديد على ان الحركة لا تعترض على إقامة تحالف حكم مع نداء تونس، في الوقت الذي كان فيه الاستقطاب الثنائي في أشده. تلميح أطلقته الحركة وانتهى الى ان يكون واقعا سياسيا سوق له على انه شراكة فرضتها نتائج الانتخابات في 2014، وهو ما كان بمثابة الضوء الأخضر للحركة لتنزيل استراتيجيتها الهادفة الى ضمان قبول الرأي العام التونسي بها كجزء من المشهد، والتعامل معها على انها حركة سياسية تونسية بامتياز ورفع التحفظات عليها من قبل خصومها السياسيين والنخب.
وضوح الهدف جعل أركان الإستراتيجية واضحة، فالحركة حدّدت لنفسها ثلاث فئات مستهدفة بالأساس، وهي أولا العامة/الشارع وثانيا النخب، وثالثا أجهزة الدولة. ولإقناع كل منهم بالنظر الى الحركة على أنها مكون سياسي تونسي يبحث عن التوافق والشراكة وان لها امتدادا ثقافيا ودينيا في المجتمع التونسي، إضافة الى أنها حركة إصلاحية ديمقراطية بخلفية ثقافية إسلامية.

 

البقاء في مشهد الحكم
لهذا كانت خطوات الحركة وسياستها المعتمدة تقوم على التمسك بأن تكون مشاركة في الحكم حتى بأقل من تمثيليتها البرلمانية، بهدف التجذر في الدولة والمصالحة مع اجهزتها التي تراهن على انها ستتقبل تدريجيا وجود الحركة في السلطة بل وان تكون هي الماسكة بها بمفردها بعد سنوات.

ولكن الدولة ليست ما يؤرق الحركة، وإنما النخبة التي ترغب في استمالة جزء منها، بعد ان كانت تعاديها وتكيل لها التهم والشتائم، فاختارت المراجعة والفصل بين السياسي والدعوي وتخفيض في الجرعة الدينية من خطاب الحركة، والبحث عن «الجّد المشترك» الذي وجدت في عبد العزيز الثعالبي الشخصية الأقدر على ذلك.

 

مغازلة النخب

 

محاولات الحركة التي استمرت منذ سنة ونصف، لدفع النخبة الى تغير نظرتهم لها، تندرج فيها مراجعة المؤتمر العاشر، والتخصص وهو الشعار الذي رفعته، والتطور من الانتساب الى الإسلام السياسي الى الانتساب للإسلام الديمقراطي.
محاولات مترابطة تهدف بها الحركة إلى ان ترفع التحفظات على التعامل معها من قبل الخصوم والمجتمع المدني وبالأساس الأطراف الاجتماعية: اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف. فالمنظمتان، وبالأساس الاتحاد، تبحث الحركة منذ سنة على تجاوز الخلافات السابقة معه وخلق علاقة خاصة، عبر عنها عبد الحميد الجلاصي في حوار له مع «المغرب». والعلاقة التي تطمح اليها الحركة وهي «شراكة» من بوابة الكتلة التاريخية، هي مفهوم يساري، يقول بضرورة توحد القوى السياسية والاجتماعية وتأجيل الصدام الإيديولوجي بهدف تجاوز مرحلة متأزمة أو خطر قائم.

والكتلة التاريخية المتكونة من وجهة حركة النهضة من اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف وحركة النهضة وحركة نداء تونس او أي جسم سياسي يعبر عن القوى الحداثية، يتقاسمون أعباء الحكم لفترة لا تقل عن 10 سنوات مع تأجيل أي صراع إيديولوجي بين مكوناتها.

 

مصالحة الشارع
وتأجيل الصراع هي الخطوة التي تعتبرها الحركة ضرورية لتحقق باقي خطوات إستراتيجيتها وهي التجذّر في المجتمع فالحركة تدرك أن خزانها الانتخابي المقدر بأقل من مليون صوت، لا يمثل إلا 1/8 من الناخبين فيما يعارضها البقية.
وللحد من قوة المعارضة واستمالة جزء من العازفين عن المشاركة السياسية والانتخاب، وهم نصف الناخبين المقدر عددهم ب8 مليون، تعتبر الحركة انّ عليها ان تسرّع في عملية «التونسة» وان تقدم نفسها كحركة محافظة تمثل امتدادا للإسلام الزيتوني.
استراتيجية ستواصل الحركة تطبيقها، وان كانت تترك لنفسها هامشا لتعديل الخيارات التي تحقق نجاحا، ومحددّ النجاح هو مدى تغيير الصورة الذهنية عن الحركة لدى الشرائح المستهدفة ومدى اقتراب الحركة من تحقيق تجذرها الذي سيسمح لها في مرحلة لاحقة بأن تنافس بوضوح على الحكم وليس القبول بالشراكة.

 

 

جريدة المغرب : بتاريخ الأحد 11 ديسمبر 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى