رأي

فرحات حشاد: العبقرية المعجزة

telechargement-2

 

عثمان اليحياوي:

 

فرحات حشاد «العبقرية المعجزة» صفة أطلقها عليه الاديب الكبير «محمود المسعدي»، والى روحه الطاهرة أهدى عصارة فكره كتاب «السد» مكبرا فضيلة الإرادة ترتفع بالانسان الى مراتب الكمال… كما أهداه غيره الكثير من الاصدارات رأت فيه ما يجسد معاني الكرامة والتضحية والعزة وما يجسم صورة التونسي الأصيل حين يلتهب قلبه بحب الشعب فينحاز اليه يحفز طاقاته ويجيرها لهدم جبروت المحتل وليحفر أنفه في التراب… حب بادله حب كاسح متواصل لا ينقطع حب الاب الروحي الذي لا يموت…
لقد تحدثت كل المذكرات التي صدرت هذه السنوات عن شخصيات وطنية رافقت فرحات حشاد وجايلته، عن خصاله وصفاته التي ينفرد بها (العينان… الابتسامة… الاناقة… الابهة… الريشة…) وخصته «الموسوعة التونسية» الصادرة عن بيت الحكمة بأكبر مساحة فاقت كل الشخصيات والزعماء وهي ضرب من ضروب الاعتراف الشعبي العام بهذا الزعيم الفذ…
لقد تحدّث عنه السيد أحمد المستيري في مذكراته (شهادة للتاريخ) حديث حب وعاطفة وكلام اقرب للغزل، والباجي قائد السبسي (في مذكراته البر والمسك) ـ ترجمة خاصة ـ بحكم المنصف المعترف «لقد تحمل مسؤولية اجرأ العمليات وأخطرها…» والأستاذ أحمد خالد (الهادي نويرة: مسيرة مثقف مناضل ورجل الدولة) حديثا مستفيضا واصفا اياه «بالألمعي»… والنقابي عبد العزيز بوراوي (فضاءات نقابية) وشهد شهادة الحق والحسم في الكثير من المسائل اللاتينية… اما الزعيم الكبير الحبيب بورقيبة فقد أضفى عليه لقب «الربان الاكبر» وتحدث عنه بكل حرقة وبغاية التأثر… «إنني لا أزال اراه حتى الآن وهو وراء مقود سيارته يلوح بيده لي في حركة كانت هي الوداع الاخير اذ لم اره بعدها ابدا…» كان ذلك عندما زاره في طبرقة…
ان مثل هذا الحيز لا يتسع لسرد مثل هذه الشهادات التي اطنبت في وصف عيني فرحات حشاد وابتسامته الصافية التي تنطلق من قلبه وتتسم على عينيه والتي يراها من هو أمامه بوجدانه قبل عينه ويسمعها بعينه قبل اذنه فهو دائما ضاحك الوجه بشوش منشرح القسمات ودود اذا سلم يمسك اليد ويشد عليها في حب واحترام وكان بذلك يخترق حجب النفوس فيؤثرعليها ويسير بها الى حيث يريد وكان كثيرا ما يبدأ بالسؤال وينتظر الجواب وبهذا أرسى قواعد منظمة أبقى من الزمن علي الزمن فنالته السهام القاتلة وكانت شهادته هبة كريمة لشعب كريم.
لقد كان إيمانه بالنصر خارقا تحركه طاقة جبارة جارفة لا تعرف الملل والهدوء يبدأ خطابه ويده اليسرى وراء ظهره وفي عز الصيف فلا يغادر طفل واحد القاعة بل يظل العدد يزداد بمرور الوقت، لا يهرب من سؤال أو شكوى يقدمها مظلوم، وكانت كل الحالات تؤلمه بعنف فالفلاح تكسّر رجله فلا تجبر ويعيش طول حياته أعرج وعامل يتقاذفه بين الإرهاق والجهل الاسود والفقر المدقع والظلم الشنيع تحت نير استعمار بغيض مصاب بأرذل وأخسّ انهيار بشري… وإذا أراد اللّه أمرا هيّأ له أسبابه فجاء فرحات حشاد في وقت مناسب كانت فيه تونس في أمس الحاجة الى جهده وجهاده…
لقد استعدّ فرحات حشاد للموت، حذره شقيقه فكان رده «لن أموت قبل أن أموت»… هدّدته عصابة «اليد الحمراء» في أكثر من مرّة فأخرج لها لسانه احتقارا وتحديا وما كان مراوغا في هذا الاستعداد عبّر عنه لأصدقائه، لعائلته ولبيت آل بورقيبة حين ذهب معزيا في وفاة محمد بورقيبة فأقبل بكل عواطفه الملتهبة لنداء تونس فما أكبره في موته وما أبلغه في مثاله..
كان يوم 5 ديسمبر 1952 يوم الحزن الكبير وما أقسى أن ترى شعبا ينعى زعيمه وهو يجابه الفراغ الذي تركه الفقيد العملاق، كانت عبارات الوداع الأليمة وكل مناضل له معه ذكريات وأبت الطبيعة يومها إلا أن تبكيه بمطر غزير فالفاجعة قاسمة، أمر المدرسون التلاميذ بالصمت في الساحات إجلالا لحدث ورهبة من اللحظة.
اشتعلت نيران الحرب المقدسة، خرج المراكشي يرفع الساطور وخرج النجار يحمل المنشار وكل بين خشباته قلب من نار «مات فرحات فلا حياة» وجنّ جنون فرنسا، الجيش يطلق الرصاص ليحصد الأرواح ويقتل بحماية القانون.
لقد نزل النذل «دي هوتكلوك» الى أحطّ منحدرات النذالة، يتآمر في جنح الظلام كأي مجرم سفاح بممارسات لوّثت صفحات التاريخ… إنها جريمة دولة… خبر تناقلته وكالات الأنباء وسخنت به الاذاعات نشرات الأخبار، وصعق العالم الحرّ، الكثير يعرف حشاد ولكنه لم يره ولا يعرف عنه أكثر من أنه ناضل من أجل حرية شعبه فمات ولم يبلغ الأربعين، إنه ترك أطفالا كانوا سلوته الحلوة وقت الفراغ.

المصدر: الشروق، 5 ديسشمبر 2016، ص 25.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى