رأي

 حتى لا يوشك الاتحاد على افتعال أزمة لتأجيل مؤتمره

images-3

 د. المنجي الكعبي: 

 

كدنا نقول بالظاهر أن اتفاق قرطاج الذي اجتمعت من أجله الأطراف لتغيير الحكومة بأخرى أكثر التزاماً بإخراج البلاد من أزمتها، فيه من بين الموقعين عليه من غايتهم رفع الحرج، أو حتى لا يشار لهم بالإصبع بأنهم ضد الوحدة الوطنية وهو مسمى الحكومة الجديدة، التي تصبو المبادرة الرئاسية اليها أو المتبغى منها أن تكون كذلك، وأيضاً حتى لا تفوتهم فرصة المناورة من الداخل أو من الخارج.
وهذه نتيجة الاتفاقات، التي تحمل الأطراف فيها حملاً على مراعاة الاعتبارات الخارجية أكثر من الاعتبارات الموضوعية للمشروع ذاته، أو تبرمها من غير استشارة أو استفتاء لقواعدهها. فيكون ذلك موجباً لتضعيف تلك الاتفاقات فضلاً عن دخول الخلل اليها عند التطبيق.
والاتحاد العام التونسي للشغل أكثر الأطراف توجساً من اتفاقية قرطاج، من منطلق مبادئه وموقف قيادته أصلاً من المبادرة الرئاسية ومراميها. والذي يتابع التصريحات التي تخرج من أفواه هؤلاء وهؤلئك من فرقاء الاتفاقية – إذا صح التعبير، وإنما هم باسم الاتفاق يمكن وصفهم بالوُفقاء – يشعر بأن تصريحاتهم لا توحي بأن الأزمة تذهب الى الحل، ولا حتى الى حل توافقي، كما هو المطلوب في كل الأزمات لتجنيب البلاد مزيداً من المشاكل.
وكلهم تقريباً يصعّد. فالحكومة متمسكة بضرورة تمرير الميزانية دون تعديل يذكر لأهم ما جاء فيها من إجراءات جبائية، وبالمضي في استصدار القرارات ما يثبت عزمها تأجيل الزيادات المقررة في الأجور الى سنتين أخريين، والاتحاد ينادي بالويل لها، طالما أصرت على رفض ضغوطه من أجل الوفاء بالزيادات المبرمجة سلفاً للقطاع العام للسنتين المقبلتين.
وعندما كتبنا من الأول أن اتفاق قرطاج يخشى أن تكون بعض الأطراف قد دخلته لنسفه من الأساس لسبب من الأسباب كنا نقدر بالقوة أن الاتحاد سيكون في مقدمة من سوف يرمى بذلك في أول مناسبة للاختلاف بينه وبين الحكومة. وذلك انطلاقاً من فلسفته الخاصة في العلاقة بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكونه يراهن على تكريس دوره التاريخي منذ الاستقلال. وهو دور قائم على مفهوم كلاسيكي قديم، قائم في تونس فقط، أسسته الحركة الدستورية والمركزية النقابية بعد صراع خفي بينهما، انتهى الى التساند التام لخوض غمار المواقع بعد الاستقلال في ظل الحزب الواحد. والهدف منع الانقسام المجتمعي الخطير الذي كان يهدد الوحدة الوطنية آنذاك، ويقوض اتفاقيات الاستقلال في ظل المعارضة اليوسفية.
والى ما قبل إذعان بورقيبة للتعددية في التنظيمات الاجتماعية، قبيل سنوات قليلة من نهاية حكمه، كانت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في صراع مكتوم مع الاتحاد لحمله على الاستمرار في مساندته التقليدية للسياسات المتبعة من الحزب. وطاب لقياداته أن تلعب هذا الدور تمثلاً بحشاد تارة وبعاشور. ودشن قمة الصراع المكتوم بين الرجلين أو بين الحزب والنقابة أحداث الاضراب العام، الأول من نوعه في تاريخ الدولة بعد الاستقلال، في ٢٦ جانفي ١٩٧٨، المسمى بالخميس الأسود لكثرة ما أحرق فيه من مكاسب وسالت فيه من دماء. والذي واكب ما كان يعتقد أنه بداية أفول نجم بورقيبة من على رأس الدولة.
وظل الاتحاد بعد كل أزمة يعود لتحدياته من جديد، باعتباره الخزان الأوسع للقوى العاملة والشبابية والطبقة المثقفة الأكثر صدامية مع النظام، فأصبح الوحيد في البلاد من بين المنظمات الذي اكتسب حصانة العمل السياسي الوطني العام ضمن لوائحه ومقرراته، تأسياً بحشاد في نضاله قبل الاستقلال وبعاشور بعده.
وجذور النقابات وإن تكن شيوعية لا محالة، ولكن الاتحاد استطاع بقيادة حشاد الانسلاخ من النقابات العمالية العالمية والانتماء الى “السيزل” الأمريكية، ورغم ذلك بقي الطيف اليساري النقابي هو الأوسع تمثيلاً في قواعده وقياداته بمقابل أغلبية صامتة يمينية متحالفة مع الحكم.
ومنحته الثورة فرصة استئناف دوره التاريخي في الأخذ بطرف السياسي غير المتحزب لا محالة، ليقود بعد مؤتمره الأول بعدها، الحوار الوطني الرباعي وبحكنة كبيرة بزعامة أمينه العام الأخ حسين العباسي.
ولم يتردد في الوقوف بالمرصاد لكل الحكومات المتعاقبة ويمسك بمخنّقها – إذا صح التعبير – من أجل أن يكون الاتحاد إحدى روافدها الكبرى وليس متذيلاً لها. يحدوه في ذلك شعور عام بالافتقار الى أحزاب ذات صدقية وتمثيلية حقيقية تقوم بهذا الدور دونه خصوصاً مع غيبة المؤسسات الدستورية بالصفة الديمقراطية التي حددها الدستور.
وحين كان الاتحاد في قمة الصراع المكموم (بالميم بعد الكاف) بين حشاد وبورقيبة، والصراع المكشوف بعد الاستقلال بينه وبين عاشور كانت البلاد تخترقها الأزمات بسبب تنافس الرجلين على الزعامة الوطنية. ولم يكن يخفي عاشور تطلعه الى السلطة العليا، ولا الذي خلفه كذلك في عهد الرئيس بن علي.
ومثلت مؤتمرات الاتحاد محطات لهذه الارهاصات من التحولات داخله في ضوء التقلبات السياسية والتحركات العامة في المجتمع.
ومع أن الوضع اختلف باختلاف هيمنة الحزب الواحد والنقابة الواحدة في عهد بورقيبة وبقدر أسوإ في عهد الرئيس بن علي، رغم بارق الشعارات التي أطلقها بحرية التعبير والديمقراطية والحقوق والحريات.. إلا أن الاتحاد بدا مصراً أكثر من أي وقت مضى بعد الثورة على أنه سوف يبقى متمنّعاً عن الممارسة الحزبية داخل كل تكتل وتحت أي اسم يحيله الى عهد بورقيبة أو بن علي طالما لم تنتظم الحياة من حوله في نظام يقوم كل مكون فيه من مكونات المجتمع بدوره بشفافية واستقلالية وتوافق مسؤول. منعاً لدخول الخلل على الدولة بسبب الفساد الضريبي وغيره.
وأن جمعه أخيراً مع الأطراف الموقعة على اتفاق قرطاج، تحت مسمى الوحدة الوطنية لن يثنيه عن خطه الاستقلالي، ودفاعه المشروع عن الطبقة الكادحة. وأنه ماض في هذه السياسية بالوسائل المشروعة التي تخولها القوانين والدستور.
فإن لم يكن رابطه المعنوي مع حكومة الشاهد اليوم قوياً بالقدر المتوقع من اتفاق قرطاج، فلأن نسبة التحفظ عليها لديه من الأول كانت قوية. وكان على استعداد ضمني لرفع يد الاعتراض على كل أداء من جانبها يعتبره مخلاً بالاتفاقات السابقة بشأن الزيادات المبرمجة للعمال.
وهنا كان بإمكان اتفاق قرطاج أن لا يترك هذه المسألة غير مقيدة لتصبح شعرة معاوية. وموقف الاتحاد وإن رآه خصومه من باب التعجيز للحكومة وحشد التأييد لإسقاطها، غير أن قوته تكمن في أن الوضع السياسي العام في البلاد لا تمتلك حكومة الشاهد له إقناعات أفضل لحشد التأييد الشعبي الى جانبها. فواضح أن الإجراءات التي اتخذتها غير شعبية وغير مؤطرة حزبياً.
وحتى لا يوشك الاتحاد على افتعال أزمة التأجيل لمؤتمره، ربما لتأهيل قياداته لمواجهة تطورات الأزمة مع الحكومة، على حكومة السيد يوسف الشاهد أن تذعن لتغليب الضغط الوطني عليها بدل تغليب الضغط الخارجي. لأنه كما بينت التجربة في الماضي، سياسات الإقراض الموجهة من الخارج لن ترضى علينا، ولن تقود تونس إلا الى ما قادته اليها من التخلف في سباق الأمم.
والاتحاد قوة تعديل بالضرورة في مجتمع الحزب الواحد، وأحرى أن يستمر بعد الثورة، في غياب تأطير ديمقرطي للجماهير في تنظيمات كفيلة بلعب دوره التعديلي كما قلنا. والحكومة وإن كانت هي الجهة الوحيدة المؤهلة لأن تبرم ولا يُنقض لها إبرام، لكن شرط أن تمتلك الشرعية الكافية وأن لا تكون مهزوزة في ركن من أركانها بحيث تبعث على الخصومة الحادة حول تكليفها أو تأليفها أو برنامجها أو سوء تعاطيها مع الأطراف ومع الأزمات.
فلو وضعنا استفتاء، للتخيير بين الإقراض الخارجي أو الإقراض الداخلي، أو بعبارة أخرى شد الحزام عن هذه الزيادات، لكانت الحكومة أقوى في التفاوض على استخلاص الجبايات المستحقة وإعادة حقن خزينتها من الأموال المنهوبة او المتهربة من الجباية، ولكانت الأزمة مع الاتحاد ربما حلت على أساس ضمان وقوفه صفاً الى جانبها، باعتباره القوى الاجتماعية الغالبة والأمثل على الاقتراح والتأثير، ولتقاسمت معه الوزر حتى مع الاختلالات، لأنها المؤتمنة أكثر على السلم الاجتماعية في الحالة الراهنة، حال افتقاد الدولة الى كافة هياكلها الأساسية بالمواصفات الدستورية الجديدة لضمان الحد الأدنى من المناعة لمستقبلها في ظل الاستقرار والأمن والتقدم.

 

المصدر: الصباح ، العدد 21666، 4 ديسمبر 2016، ص 10.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى