رأي

النخبة إذ تطلب المستحيل…

 

 

 

447

(لوحة للفنان العراقي علي رشيد)

 

لست من جيل ثورة ماي 68. ولكن منذ أن اطلعت على بعض ما فيها من وقائع وكتابات علق بذهني شعار “كونوا واقعيّين واطلبوا المستحيل”. لا يخلو هذا الشعار من طاقة شعريّة مأتاها، ولا ريب، التضادّ الذي بني عليه. ولكنّني أذكره لأنه يعيدني إلى دلالة الحديث أو الأثر “لو تعلّقت همّة المرء بما وراء العرش لناله”. فبينهما، على اختلاف المرجعيّات، دفع للحدود ورفع لسقف الأمل وفتح للممكنات جميعا.

وكثيرا ما أستحضر، مبتسماً ومنتشياً، هذين القولين كلّما سمعت رأيا يبدو متحدّيا للموروث المستقرّ مناكفا للسائد الثابت. فثمّة دائما في ثقافتنا العربيّة، هنا وهناك رغم تراجع منسوب الحرّيّة، ما يفتح باب الأمل في إيجاد حركيّة فكريّة رغم نزعة المحافظة الغالبة وسيطرة الفكر المتحجّر المأزوم وصنوهما نزعة الاستهلاك المقيت.

فمنذ أشهر ألقى أحد أعضاء مجلس نواب الشعب التونسيّ حجراً ثقيلاً في بركة الأفكار المطمئنّة ناشداً المستحيل أو ما يبدو لأغلبنا مستحيلاً. إذ قدّم مشروع قانون يطالب بالمساواة في الإرث بين الرجال والنساء. ولا يذهبنّ في الظنّ أنّه كان محمولاً في ما أتاه بمنطق الثورة، وفي الثورات لا تتجزّأ الحقوق والحريّات. ولكنّ هذا البلد الذي دشّن “الربيع العربيّ” فقد بوصلته الأولى وتغيّرت أجنداته مع الإسلام السياسيّ. وبالمقابل لا يزال المجتمع، رغم إهاب الحداثة، محافظاً في مجمله محافظة مكّنت فصيلاً من سدنة الهوّيّة المأزومة من أن يهيمن، ولو لفترة مّا، ثقافيّاً وسياسيّاً بصفته تعبيراً عن الجزء الذي لم يستبطن مسار التحديث وظل على هامش منجزه الاقتصاديّ والاجتماعيّ والفكريّ.

ولم يكن السياق الجديد في تونس هو الذي سمح بطرح هذا المطلب. فقد دافعت عنه النخب الحداثيّة في العلن منذ عقود. ولكنّ الطريف حقّاً هو ردود فعل النخب السياسيّة والثقافيّة المحافظة ردوداً تكشف الهوّة بين الجاهز المستخرج من متون الكتب الصفراء وما يعتمل في الساحة الكونيّة من أسئلة. فسماحة مفتي الجمهوريّة يصرّح في طمأنينة مذهلة بأنّ “الموضوع غير مناسب لا الآن ولا لاحقاً”. ويتفطّن علماء الزيتونة بنباهة نادرة إلى أنّ مشروع القانون يمسّ “بحكم شرعيّ قطعيّ”. ويعطف أحد نوّاب حزب النهضة الإسلاميّ عليه بحجة دامغة مفادها أنّ الأمن ولقمة العيش والحدّ من البطالة أهمّ من الميراث والمثليّة (للتذكير طرحت بعض الجمعيّات في تونس مسألة حقوق المثليّين أيضا من منطلق الحريّات الفرديّة). والأطرف أنّ أحد ورثة بورقيبة الذي منع تعدّد الزوجات فاتّهم في دينه اعتبر طرح الموضوع في الوقت الحالي في غير محلّه.

ليس ما يعنينا من هذا الجدال مضمونه ولا مآله وكم يلزم من وقت لمطابقة المعايير الدوليّة في باب منع التمييز بين النساء والرجال. ما يعنينا فعلاً هو هذه الجرأة في تخطّى الحدود النفسيّة قبل الحدود النصّيّة والقدرة على طرح كلّ الموضوعات على بساط النظر والنقاش وإن بدت مقدّسة أو من المحرّمات أو غير مناسبة للرأي العامّ ومدى تطوّره.

طبعا ليس في هذا بطولات أو إقدام. فمسألة المساواة في الميراث طرحت منذ أواخر الستينات في تونس مستندة إلى إرث مدنيّ إصلاحيّ راسخ بدأ يتشكّل منذ أواسط القرن التاسع عشر مع إلغاء الرقّ ووضع أوّل دستور في العالم الإسلاميّ. ولم يكن موقف المفكّر الطاهر الحدّاد، وهو ممّن طلبوا المستحيل، من المناسبة بين الحرّيّة والشريعة وإعادة قراءة النصّ الدينيّ قراءة مقاصديّة والدفاع عن حريّة المرأة إلاّ صورة من هذه الحركة الفكريّة التي تخلّلت الثقافة التونسيّة. فالخطّ العامّ واحد وإن اختلفت السياقات.

كان أحد رؤساء الحكومة في أثناء حكم الترويكا قد صرّح متذمّرا “نكبتنا في نخبتنا”!. لا نحب المجادلة في الأمر ولكن من الثابت عندنا أنّ النخب هي التي تعلّما طلب المستحيل وتحرّضنا على أن تتعلّق همّتنا بما وراء العرش.

   * روائيّ وأكاديميّ من تونس : شكري المبخوت

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى