رأي

 المجتمع المدني والمحاذير الثلاثة

images-8

 

معتز القرقوري:

 

لا أحد يمكنه أن ينكر الدور الذي لعبه ولا يزال المجتمع المدني في تأمين ودعم مسار الانتقال الديمقراطي في تونس وفي إثراء النقاش ونشر الوعي حول أهم قضايا الشأن العام التي يتداولها غالبية التونسيين والتونسيات، غير انه يصعب كذلك أن نقدم تعريفا قانونيا دقيقا لمصطلح المجتمع المدني ولا تعدادا حصريا لمختلف مكوناته وتعبيراته التي تبدو متنوعة ومتباعدة إلى حد الانقسام بفعل الاختلافات الفكرية والعقائدية وحتى الأيديولوجية التي تشقه إلى درجة أنه يمكن القول في وجود «إيديولوجيا للمجتمع المدني».
ورغم أن غالبية الملاحظين والمهتمين بالشأن العام يقرون بالدور الإيجابي الذي يلعبه المجتمع المدني كسلطة مضادة في مواجهة ما يمكن أن تمارسه السلطة الحاكمة من تعسف واستبداد واعتداء على الحقوق والحريات العامة الفردية فإن هذا الحكم الإيجابي الذي يعبر عن جانب كبير من الواقع لا يجب أن يؤدي الى تبرئة المجتمع المدني من كل الشرور وتنزيهه عن الخطإ والانحراف. ونعتقد أن لا أحد حاول بعد الثورة أن يضع حدودا لنشاط وهامش تحرك المجتمع المدني ربما لأن الجميع كان متحمسا لأن يلعب المجتمع المدني دوره الحقيقي الذي حرم منه طوال الحكم الدكتاتوري في الانتصاب كسلطة مضادة للحد من امتداد وهيمنة السلطة الحاكمة.
غير أننا نعتقد أنه حان الوقت اليوم في ظل بعض التجاوزات التي ما فتئت تتكرر وتأخذ بعدا أكثر خطورة من التنبيه إلى بعض الضوابط والمحاذير التي يجب على المجتمع المدني بمختلف مكوناته من جمعيات ونقابات وأفراد أن تحترمها حتى لا تحيد هذه السلطة المضادة عن وظيفتها التي تبرر خصوصيتها وسبب وجودها.

• أولا: على المجتمع المدني بمختلف مكوناته وباعتباره سلطة مضادة فاعلة وفعالة أن يتجنب قدر المستطاع «شيطنة السلطة الحاكمة» لأن وجود وفعالية المجتمع المدني كسلطة مضادة يفترض وجود سلطة حاكمة تتمتع بالشرعية والمشروعية في إطار منظومة ديمقراطية للحكم.
إن دور المجتمع المدني في التأثير على السلطة الحاكمة في قراراتها وسياساتها المتبعة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها يفترض تمتع السلطة الحاكمة بهامش من الحرية والفعالية في اختيار وتنفيذ تلك السياسات ثم يأتي دور المجتمع المدني في محاولة التأثير على السلطة والحد من امتدادها وإمكانية تعسفها إذا كان يرى أن تلك القرارات المتخذة أو السياسات المتبعة تتعارض مع المصلحة العامة في مفهومها الواسع أو أنها لا تؤدي إلى تحقيقها بصفة ناجعة. فدور المجتمع المدني يتمثل أساسا في الحد من السلطة وتوجيهها الوجهة السليمة خاصة في ما يتعلق بحماية الحقوق الفردية والجماعية لذلك فإننا نرى أن دور المجتمع المدني لا يكاد يذكر ضمن الأنظمة الكليانية التي لا تؤمن بالحقوق والحريات. إن اتجاه المجتمع المدني نحو شيطنة السلطة الحاكمة قد يكون له مفعول عكسي من خلال تقوقع هذه الأخيرة حول نفسها وانغلاقها وهو ما يفتح المجال واسعا أمام التعسف والاستبداد.
إن الدور الإيجابي للمجتمع المدني يجب أن يقترن بالإقرار بأهمية السلطة في تأطير المجتمع دون تعسف أو احتكار للرأي مع محاولة التأثير عليها كلما كان ذلك ضروريا لتعديل خياراتها خدمة للصالح العام وليس خدمة للمصالح الشخصية، أو الفئوية أو القطاعية التي كلما كان هاجسها الأوحد المصلحة الخاصة إلا ومثلت خطرا على الدولة باعتبارها المؤسسة الساهرة على تحقيق الصالح العام.

• ثانيا: على المجتمع المدني أن يتجنب كل محاولة «للانقضاض» على السلطة وافتكاكها فدور المجتمع المدني بمختلف مكوناته ليس الوصول إلى السلطة وممارستها وإنما محاولة التأثير عليها في إطار ضغط معقول ومتلائم مع المصلحة العامة وذلك قصد الحد من السلطة وتوجيهها ومنعها من التعسف والاستبداد. ألم ينادي منتسكيو بضرورة أن توقف السلطة السلطة وذلك في إطار التوازن بين القوى الاجتماعية، وبين السلطتين السياسيتين الرئيسيتين وهما السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
إن دور المجتمع المدني في إيقاف السلطة وفرض التوازن الاجتماعي والسياسي أصبح جوهريا في ظل عجز الآليات التقليدية داخل النظام السياسي سواء الرئاسي أو البرلماني عن فرض ذلك. لقد أصبحنا نلاحظ إثر الثورة وإلى اليوم بأن جانبا من مكونات المجتمع المدني لم تعد تكتفي بمحاولة التأثير على السلطة والقيام بدور السلطة المضادة بل إنها أصبحت تتجاوز ذلك إلى استعمال المجتمع المدني كوسيلة أو كمطية للوصول إلى نحت مستقبل سياسي عجز البعض عن تحقيقه عبر القنوات الأصلية والطبيعية للممارسة السلطوية.
لقد أكد المرسوم المتعلق بالجمعيات وهي من أهم مكونات المجتمع المدني إن لم تكن أهمّها بأنه ليس من مهمة الجمعيات أن تقدم ترشحات للانتخابات مهما كان نوعها أو أن تدعم مترشحين لها أو أن تمول حملاتهم الانتخابية غير أن ذلك لا يمنعها من إبداء الرأي في كل ما يتعلق بقضايا الشأن العام. وفي هذا الإطار أكد الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل مؤخرا بأن الإتحاد «يمارس السياسة» مثلما كان دائما ولكنه لا يهدف لممارسة السلطة أو الوصول إلى الحكم.
لذلك فإنه من المهم بالنسبة للمجتمع المدني أن يعي حدود وظيفته وأن لا يتجاوزها حتى لا يتعسف في استعمال صلاحياته وهو المطالب أصلا بمنع التعسف، فقدر المجتمع المدني هو أن يكون وأن يظل سلطة مضادة تراقب السلطة ولكنها لا تهدف إلى إفتكاكها أو الحلول محلها فلئن كان من الجائز أن تكون للسلطة وللمجتمع المدني إمكانيات للتداخل في مجالات النشاط فليس من الجائز أن يكون لهما نفس الدور ونفس الوظيفة.

• ثالثـا: على المجتمع المدني أن يتجنب الانخراط في لعبة دعم الأحزاب والتماهي معها في البرامج والنشاطات وحتى الأهداف مما يحول دون قيامه بوظيفته الأصلية ويدعم وصفه بأنه مجتمع مدني مؤدلج أو مطوّع. فالاستقلالية هي شرط أساسي من شروط الانتماء للمجتمع المدني والنجاح في أدائه لوظائفه. والاستقلالية لا تعني أن لا يكون للمجتمع المدني مواقف من قضايا الشأن العام، غير أن تلك المواقف يجب أن تكون لها ضوابط لعل من أهمها:
الدفاع عن المصلحة العامة وتغليبها عن كل المصالح الخاصة أو الفئوية التي يمكن أن تكون للمجتمع المدني حساسية إزاءها ولكن في إطار الدفاع عن المصلحة العامة.
الدفاع عن الحقوق والحريات باعتبارها الضامن الأساسي لتواصل وازدهار النظام الديمقراطي الذي يعتبر المجال الطبيعي لعمل المجتمع المدني.
الدفاع عن المبادئ الدستورية وخاصة مبادئ النظام الجمهوري ومدنية الدولة وطابعها الديمقراطي وخاصة التعددية في مختلف أشكالها باعتبار قيام المجتمع المدني ذا الطابع الفسيفسائي على فكرة التعددية.

إن الصراع الظاهر والخفي الذي نلاحظه اليوم بين بعض مكونات المجتمع المدني والذي يتجاوز أحيانا حدود المعقول والمقبول يؤكد على أن بعض مكوناته لم تستبطن بعد طبيعة الدور الذي يجب أن تلعبه في الحد من السلطة كما يؤكد تبعية جانب هام من مكونات المجتمع المدني إلى أحزاب سياسية مما ينقل الصراع الحزبي الذي يبدو منطقيا باعتبار قيام الظاهرة الحزبية على التنافس من أجل الوصول إلى السلطة وممارستها إلى المجال المدني بها يهدد خصوصية دور المجتمع المدني.

إن دفاع بعض مكونات المجتمع المدني المستميت والمبالغ فيه أحيانا على بعض التوجهات ذات البعد الأيديولوجي أو العقائدي ليس أقل خطورة من دفاعها على بعض المصالح الفئوية أو القطاعية الضيقة بمعزل عن تغليب الصالح العام. فدفاع المجتمع المدني عن المصلحة العامة لأفراد الشعب يجب أن يغلّب وفي كل الحالات عن الدفاع عن المصالح الضيقة لفئة من أفراد الشعب. كما أن منطق الصراع والمنافسة والتنافر بين مكونات المجتمع المدني لا يبدو متلائما مع الوظيفة التي من المفترض أن يلعبها في الحد من السلطة وتجنب الغلو والتعسف في ممارستها.

إن دروس الماضي القريب وحتى الحاضر تؤكد أنه لا يمكن تنزيه المجتمع المدني في المطلق عن كل «الشرور» و»الخطايا» كما أنه لا يمكن المبالغة في «شيطنة» السلطة الحاكمة وتحميلها مسؤولية كل الأخطاء والتجاوزات. فلكل عيوبه ومحاسنه غير أن التكامل بينهما قد يساهم في تجاوز تلك العيوب وتدعيم تلك المحاسن.

 

المصدر: المغرب 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى