إصدارات

كتاب «ورقات» لمؤلفه شيحة قحة: من حصانة اليقين إلى ثورة الشك

telechargement-9

 البشير السالمي:

 

لا يلبث متلقّي كتاب “ورقات” أن يجد شيئا من الحيرة في تصنيفه إلى جنس ثقافي وأدبي معين، ولا سيما ان صاحبه اكتفى في الصفحة اليتيمة في مدخله بالإشارة إلى كونه “مجموعة خواطر” فكان لزاما على المتلقي أن يسبر أغوار هذا العمل الفكري البكر حتى يصنفه

عملا بموقف أستاذنا الراحل محمود المسعدي الذي كان يقول: “أنا أكتب فحسب وللباحث أن يصنفني كيف يشاء وكما يرى”.ومن ثمة كان لزاما أن نرحل مع “ورقات” في رحلة تمتد على خمسة وأربعين فصلا وتمسح ما يناهز ثلاثمائة صفحة. نمرّ في هذه الرحلة من ريف الساحل وقراه ومدنه إلى فضاءات تونس العاصمة وجامعتها إلى ضواحيها ثم إلى كندا.

كان لزاما على المتلقي لـ “ورقات” أن يعيش على امتداد هذه الرحلة مغامرات الكاتب مع “حريم السلطان” ذوات الجنسيات المتعددة وأن يواكب في الآن ذاته نضاله الثقافي والسياسي وما فيه من مظاهرات وأعمال عنف وثورة وما يتخلله من إيمان وكفر وقلق وجودي وأن يستبطن أثناء ذلك مشاعره، فإذا هو بين المتعة والتشويق حينا والحزن والشجن حينا آخر وقد عادت به “ورقات” إلى أيام العقدين السادس والسابع من القرن الماضي بل حلّقت به أحيانا في أجواء الحاضر المعيش بخيره وشره.

وإذا بحيرة المتلقي تتبدّد وإذا بكتاب “ورقات” سيرة ذاتية لمؤلفه في شكل رواية متعددة الفصول واللوحات وفي ذات الوقت هو بحث اجتماعي لواقع المجتمع التونسي وحتى العربي والغربي، خارج سياق النمط الأكاديمي. وإذا بكتاب “ورقات” هو “كوكتال” له طعمه الخاص، وله نكهته الشيحية، ان صحّ التعبير، تمازجت فيه هذه العناصر، وتلاحمت، إلى أن اصبحت أي محاولة للفصل بينها من قبيل التعسف.

ولم يفتني أن أنتبه إلى أوجه الشبه العديدة بين كتاب “ورقات” لشيحة قحة التونسي، وكتاب “الأيام” لطه حسين المصري رغم ما بينهما من فاصل زمني يربو عن تسعة عقود… صدركتاب الأيّام في سلسلة من المقالات في مجلة “الهلال” ثم في مجلة “آخر ساعة” المصريتين قبل أن يظهر في كتاب ذي ثلاثة أجزاء.كما أن “ورقات” ظهرت كما يقول مؤلفها في تقديمها: “كنت نشرتها كل يوم أحد خلال أسابيع متتالية في جريدة “المغرب” التونسية”.

ولكن الشبه الأكبر، نجده بين طه حسين وشيحة قحة في التكوين الثقافي والفكري وفي البيئات الريفية والحضارية التي احتضنت كلا منهما.فقد حفظا القرآن منذ نعومته أظفارهما في كتّاب القرية وعرف كل منهما سطوة المؤدب قبل أن ينتقل هذا إلى القاهرة ليدرس بالأزهر ثم بالجامعة المصرية، والآخر إلى تونس بكلية الآداب ثم بالمعهد الأعلى للتصرف. ويرحل طه حسين إلى باريس ليكون أحد طلبة جامعة السربون ثم يرحل شيحة قحة إلى كيباك، ليكون أحد طلبة “لافال”. وإذا كل من الرجلين تشبّع –زيادة عن ثقافته العربية الاصلية- باللغة الفرنسية وآدابها والوقوف على مدى التقدم الحضاري الأوروبي، وإذا كل منهما متأثر بما رأى وشاهد أيما تأثر، وإذا هما في المقابل متبرمان بتخلف بني قومهم من العرب والمسلمين ومنبهران من جهة أخرى بالغرب المتقدم وبعقلانيته ونهضته. والأغرب أن نجد بين طه حسين وشيحة قحة هذا التشابه العجيب في الطبيعة الثورية ضد المسلّمات والبديهيات وضد الفهم الرجعي المتزمت للتراث مع الحرص الحادّ لكل منهما على الحرية والانعتاق ورفض التسلط والانتفاض ضد التفاوت بين الفئات الاجتماعية بل وصل التشابه إلى حد تعرض طه حسين في مصر وشيحة قحة في تونس، لغضب السلطة وسخطها…

ولعل الفرق الوحيد بينهما كان في الطريقة التي توخاها كل منهما، في صياغة سيرته الذاتية. فقد اعتمد طه حسين في سرده على استخدام ضمير الغائب، ربّما لفقدانه البصر، في حين اعتمد شيحة قحة في سرده أسلوب المتكلم رغم ما لهذا الأسلوب من تبعات لأنه يلزم صاحبه في السيرة أن يكون في ما يرويه أقرب ما يمكن من الحقيقة والواقع بينما يعطي استخدام الضمير الغائب هامشا للخيال والتصور…

جاء كتاب “ ورقات” في ثلاثة أجزاء، بدءا بـ” ورقات أولى “ وتتضمن ستة عشر فصلا نواكب فيها نشاة المؤلف في قريته بمنزل كامل داخل أسرة كثيرة العدد بعد أن نكح والده ما طاب له من النساء مثنى وثلاث ورباع، وكانت أسرته فلاحيّة، محافظة. ولاحقا يتحدث المؤلف كيف التحق منذ نعومة أظفاره بكتّاب القرية لحفظ القرآن ونتابع معه حياة الفلاحين في قريته وعلاقتهم بالأعراب الرحّل ولمّا غزت القرية جحافل الجراد… ويصف المؤلف مظاهر استسلام أهل الريف للغيبيات، قائلا في لوحة “المطر هو الحياة” ص 47 “ إذا كان المطر غزيرا والرزق وفيرا، فذاك لأن السماء راضية مرضية، أما إذا انحبس المطر، وكان الجفاف، فذاك لأن الناس في القرية يأتون الحرام، ولا يخافون الربّ”…

وفي “ورقات ثانية” تستغرق هي الأخرى ستة عشر لوحة، نجد الكاتب قد شبّ عن الطوق وصار طالبا في الجامعة وترك وراءه الكتّاب وريفه وأهله ولا يلبث أن ينضم إلى التيّار الجارف للطلبة الثوريين المنضوين في بوتقة اليسار حتى يقول في فصل “سنوات العزّ في الجامعة”: “لقد اصبح السؤال والرفض في الجامعة سمة قائمة، تسكن فينا، بعد أن كانت قلوبنا ترشح إيمانا ويقينا”… نلاحظ هنا أن المؤلف كان لا يقصّر وهو في عنفوان نضاله عن أخذ نصيبه من الدنيا ولذاتها ، إذ كان منجذبا كما يقول :” إلى ثلاثية اليسار : خمر وثورة وجنس” وقد شغلت هذه الثلاثية كاتبنا في أكثر من لوحة مثل “التحرر من قيد الجنس”و”أنا وآلين” و”مع صاحبتي الايطالية” وفيها أرخى العنان للحديث عن علاقاته الحميمية بالأنثى…

أما في “ورقات ثالثة” التي تعد ثلاثة عشر لوحة، فنجد صاحب “الورقات” يحشد كمّا هائلا من المواقف الجريئة، إذ يصب جام غضبه على رجال الدين ويصفهم بــ “لحّاسي القصع” ويسخر من الوضع الثقافي والاعلامي البائس ويكفر بالرداءة المتفشية في كل مكان ويتعرض في الأثناء مجددا إلى فضائل أمّه ولا يرى شبيها بها في البرّ به ورعايته إلاّ زوجته قائلا في “اللوحة السابعة” ص 285 “إذا كانت الجنة تحت أقدام الأمهات، تبقى الحياة تحت أقدام الزوجات “…وكانت اللوحات التي بثّ فيها ما جاش في صدره وما شعر به من مأساة وجودية خانقة، مؤثرة جدا، تجلت فيها مصداقيته وعمق الاستبطان للذات الإنسانية، من خلال ذاته الشخصية، كما تجلت في هذه اللوحات قدرة الكاتب الفائقة على تطويع اللغة لإيصال أحاسيسه بأسلوب فنّي روائي.

فما عسى أن نقول في خاتمة هذه الكلمات القصيرات حول كتاب “ورقات” غير أننا عشنا معه من جديد ومن خلال ذكريات مؤلفه نزقنا الطفولي وتمرّدنا الشبابي وعقلانية كهولتنا كما عشنا مع هذه الذكريات عودتنا إلى الثوابت واليقين والحج إلى البيت الحرام لاستخراج صك التوبة وقد اشتعل الراس شيبا حتى كأن هذه السيرة وهذه الرواية ليست سيرة شيحة قحة ولا روايته وحده، ولكنها روايتنا جميعا، ورواية جيل الاستقلال برمته.

 

المصدر: المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى