رأي

الحركات الإجتماعية و الإنتقال الديمقراطي

 23qpt470

 

 

ماهر حنين: 

 

لا أحد يتجاسر اليوم أن ينكر أن قادح الثورة التونسية كان حزمة المطالب الاجتماعية المزمنة في الشغل و التنمية العادلة والنهوض بالجهات الداخلية المحرومة وحفظ الكرامة. وليس يعني ذلك أن ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي كانت مجرد ثورة المحرومين بل إنها اكتسبت دلالتها التاريخية وماهيتها كحدث فارق حين التحقت بها فئات اجتماعية وسطي وهياكل مهنية و نخب سياسية ومثقفة لتتحول إلى ثورة شعبية عارمة ضد الفساد و الإستبداد و السياسات التنموية الفاشلة.

فلن يتعلق امر أفق ثورتنا إذن بمجرد رغبة في الديمقراطية التي تنتهي بانتخابات أو بشكل ليبرالي من الحياة السياسية . فنحن نظل مرشحين ربما لتأسيس ديقراطية مواطنية وإجتماعية تفلت من كماشة برامج الإصلاح الهيكلي. وتضع بدائل تنموية اساسها إقتصاد في خدمة الإنسان يقرن الحرية بالكرامة والمواطنة و منظومة حقوق الإنسان. ثمة اليوم شبه توافق وطني وربما دولي على نجاح مسار الإنتقال الديقراطي في بلادنا التي تهددها في خاصرتها الجنوبية تداعيات الحرب الأهلية الليبية و يشدها أمل عودة الإنعاش الإقتصادي لإبعاد كابوس التقشف. لذلك تتعالى الأصوات المنادية بتقاسم التضحيات علينا أن نقبل بما تحقق وهو استثناء سياسي كما يقال ولا نتطلع إلى ما هو أعدل لانه اليوم مستحيل .وفق الأطروحة الرسمية الرائجة فهل استنفذنا بدستور 27 جانفي التوافقي و قبله بالحوار الوطني التوافقي و بعده بحكومة الوحدة الوطنية التوافقية كل طاقة الثورة و الشارع في التغيير؟ فهل أنهكنا التجاذب و الصراع وإنتهينا إلى الرضا بما تحقق وعلينا أن ننقذ أولا الدولة و الإقتصاد ؟لاشيء يمنعنا في رأيي من أن نتطلع إلى مرحلة جديدة ليس فقط من منطلق الإيمان بأن الشعب لم يحقق كل ما يريد بل من منطلق مؤشرات الميدان ولحركيّة المجتمع المستمرة وإن بوتيرة مختلفة ولتطلعاته المرفوعة والتي .تكشف أن كل محاور الصراع بين الحاكمين و المحكومين لم تنتف بل وتؤكد إستمرار الهوة بين الفاعلين الإجتماعيين و الفاعليين السياسيين الجدد والحاجة الملحة إلى فتح الحقل السياسي فعلياّ.

الإنتقال الديمقراطي الاول ومكسب الحريات السياسية:

يصرّ خبراء الإنتقال الديقمراطي على مرافقة المجتمعات وهديها إلى مسارات منمذجة لا مفر منها ولم نشذ في تونس عن هذه القاعدة، فكان لا بد أن ننتخب من يمثلنا كان لا بد نعترف كلنا أن البعض منا لا يشبهنا وبأن ذاكرة الشعب الصلبة التي كتمت غيظها شرنقت بعد الثورة كما نبهنا إلى ذلك مؤرخنا الفقيد رؤوف حمزة كان لا بد أن نتعلم التمييز بين شرعية الشعب الثائر وشرعية الشعب الناخب ثم بين شرعية الناخب الأغلبي وحدود سلطته وشرعية الناخب الأقلي ودوره الممكن كان لا بد أن نتفطن قبل فوات الأوان أن للدولة الوطنية مكاسب عزيزة علي النساء كعزة نور البصر بل وعزيزة على الجميع من الخبل التفريط فيها, كان لا بد أن يقف الجميع على حقيقة أن للشعب جيشا جمهوريا عقيدته الوطنية من ذهب وقوات أمنية مخلصة للوطن وأن للمجتمع التونسي منظمات عريقة لم تصبح رغم الزلازل التي هزت البلاد كالعهن المنفوش … كل ذلك وما كان يدور حولنا في دول الجوار علّمنا الفرق الموضوعي الذي وقفت عليه كل الثورات بين التمرد على الدولة وإسقاط نظام الحكم ومقتضيات إدارة الحكم ذاته.

مرحلة الإنتقال الديقراطي الأول كانت مكلفة بشهدائها و ضغوطاتها ولكنها كانت مرحلة حسم فيها الشارع المدني والروح الإصلاحية العميقة للمجتمع ومنظماته الأمر بإتجاه الـتأسيس لحداثة سياسية تحتية هذه المرة وقد لعبت الحركات الإجتماعية الجديدة دورا جليا في إنحيازها ضد المشروع الإسلامي فالمعطلون حوّلوا وعيهم الإحتجاجي إلي جزء من الوعي المواطني المدني العام والحركة النسوية كانت الرقم الصعب في المعادلة و نشطاء الفضاء الإفتراضي تحولوا إلى جيش مدني لا ينام ومواطنو الجهات الداخلية صبروا و عزلوا من اراد أن يتسلل إلى خوفهم وفقرهم للسطو الهووي عليه ،لقد قطعنا دستوريا خطوات صريحة لملاءمة كونية الحقوق مع ذاكرتنا الحضارية بعد التنصيص بلا تردد على احترام حرية الراي و التعبير والانتخاب والتداول على السلطة و إستقلال القضاء والفصل بين السلطة ووضع مشروعية المؤسسات فوق وقبل مشروعية الأشخاص.
ومع ذلك لا يطمئن العديد إلى نص الدستور وحده للقول بنجاح التحول إلى الديمقراطية ، حجتهم في ذلك ان ميزان القوى الواقعي هو المحدد المعياري للسلوك المواطني العام في المجتمع فالعلمانيون متوجّسون من إنقلاب الإسلاميين على الدستور وفرضهم لقيم مجتمعية محافظة تتعارض مع روح التحرر الفردي وتعيد إخضاع الافراد لتسلط الفقهاء بإسم المقدس … قوي مجتمعية أخري تخشي التحكم شبه الكامل لسلطة المال في المشهد السياسي وصنع الإغلبيات ودفع فاعلين سياسين من القدامي والجدد لقيادة البلاد وهم في قطيعة روحية و مادية مع أهلها ومعاناة و آمال شعبها .. جهات سياسية عديدة و تيارات شبابية نشطة لا تتطمئن للسياسات الغربية بإتجاه بلادنا وكل منطقتنا ولا ترى فيها خيرا.
كل هذه المخاوف ليست عديمة المعنى ولكنها لا يمكن أن تصير فوبيا ينتهي معها دور السياسي و دور المثقف ودور الفاعل الإجتماعي بل من أوكد المهام اليوم أن نجمع القوة اللازمة لإنجاز الإنتقال الديمقراطي الثاني.

الإنتقال الديمقراطي الثاني ومهام الحركات الإجتماعية:

لا يؤمن كثيرون بأن الإنتقال الديمقراطي الثاني وهو الأهم مهمة عاجلة وممكنة ما يراد لنا اليوم هو أن نسلم هذه المرة نهائيا مقاليد حقوقنا التنموية لخبراء الإقتصاد و المال والعارفين بخفايا جلب الإستثمارات وبالسياسات الإقتصادية فالشأن الإقتصادي و شروط النمو و إنتاج الثروة وطرق توزيعها أمر موكول للمؤسسات المالية و هيئات الترقيم والمتمرسين بها وليست في دائرة التداول الديمقراطي و.تلك هي صيغة الإستبداد الجديدة الساعية إلى تسييج الحقل السياسي التي علينا التصدي لها و كسب المعركة القادمة ضدها.
عنوان المرحلة القادمة هو العمل من أجل منوال تنموي جديد يدفع الإقتصاد المنتج و المشغل ويقاوم إقتصاد المضاربة والريع ويمكّن من فتح المجال لكل الطاقات لإنتاج الثروة و التمتع بمكتسباتها من خلال توزيع عادل وسياسات حكومية تعديلية توجه الإستثمار العمومي والخاص وفق خطة تنموية تنهض بالجهات المهمشة وتحد من الفقر وتوقف زحفه على الفئات الوسطى.
تحقيق هذا الهدف يستلزم رؤية منحازة و خطة وهو ما يعني صراعا فعليا مع من لهم مصالح ضيقة تتعارض مع ما نريد لديمقراطيتنا الناشئة من عمق إجتماعي. مؤشرات عدة تبين أن الصراع لا يزال قائما ، فتحركات المعطلين منذ جانفي 2015 مستمرة , وكذلك ضحايا التشغيل الهش و(حملة مانيش مسامح ) المطالبة بتفعيل مسار العدالة الإنتقالية, و الإحتجاجات الفردية و الجماعية للمطالبة بالحق في طب الإختصاص, و الحق في الماء , و الحق في البيئة والتنمية… و الإلتفاف الشعبي المحلي حول جمعية حماية الواحات بجمنة.. كل ذلك مع إستمرار عدد من منظمات المجتمع المدني في الإضطلاع بدورها النضالي في المناصرة والدعم.
لم تعد الحشود الثائرة إذن مجرد جمهور ديمقراطي منفعل بل إنها توفقت في اجتياز محنة التغييب الكامل بعد اتفاق كبرى القوى السياسية على تأجيل النظر في حق جزء كبير من التونسيين في الحياة.
كما نلمس إرتفاعا لصوت عدد من المثقفين الرافضين لسياسة الأمر الواقع التي تريد فرضها سردية التوافق ،لسنا موضوعيا إزاء حملة مواطنية واسعة وتعبئة وازنة من أجل الحقوق الإقتصادية و الإجتماعية كعنوان للإنتقال الديمقراطي الثاني ولكننا بصدد جهد الإستمرار في رفض منظومة التوافق وإصرار على ممارسة الحق الديمقراطي دفاعا عن المواطنة الإجتماعية ومن المهم أن يستمر هذا الجهد على مستويات عدة.
أولها خوض المعركة المدنية و الحقوقية بالإستناد إلي المرجعية الدستورية للحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الحوكمة الشفافة والديمقراطية المحلية لإلزام الدولة على احترام تعهداتها وحملها على الكف عن ملاحقة نشطاء الحركات الإجتماعية و مقاضاتهم.
المستوي الثاني يكمن في تكثيف التناصر المزدوج بين الحركات الإحتجاجية ذاتها من جهة وبين الحركات الإجتماعية الجديدة و باقي قوي المجتمع المدني التقليدية مما ييسر بناء شبكة دائمة للحركات الإجتماعية تعزز قدراتها التعبوية محليا ووطنيا.
ثالث مستويات هذا الجهد هو ربط جسور فعلية مع الكتل البرلمانية المعارضة و المتحفظة داخل مجلس نواب الشعب لطرح المبادرات و فرض مطالب الحركات الإجتماعية على أجندا المجلس و المجال السياسي عموما.
قد يبدو أرخبيل الحركات الإجتماعية على شاكلة مجموعات صغيرة متباعدة ومع ذلك من المهم أن نعمل معها ومع حقول وفاعليات مجتمعية وسياسية أخرى على جعلها تتجاوز ضعف تشتتها و تتجه إلى الإستخدام الفعّال لجسمها الإجتماعي ولروحها المصرة على العيش الكريم وكل تأجيل في إنجاز هذه المهمة لن يكون الإستقرار ولا الفراغ الدائم بل دخول قوى أخرى لا هاجس ديمقراطي لها على خط التعبئة وتوظيف الغضب لأن الطبيعة تخشى الفراغ.

المصدر : المغرب ، العدد  1591، 5نوفمبر2016، ص 8.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى